يقول أبو عبد الرحمن السلمي[1]: ((من عُيُوب النَّفس أَنه يتَوَهَّم أَنه على بَاب نجاته يقرع الْبَاب بفنون الْأَذْكَار والطاعات وَالْبَاب مَفْتُوح وَلكنه أغلق بَاب الرُّجُوع على نَفسه بِكَثْرَة المخالفات
من أعظم عيوب النفس البشرية توهم النجاة، حيث يعتقد الإنسان أنه في مأمن من العقاب أو أنه قريب من الرحمة، بينما هو غارق في المخالفات والمعاصي. هذه الحالة تستدعي منا التأمل والتفكر في عواقب هذا التوهم، وكيف يمكن أن يؤدي إلى الهلاك.
ومن صور توهم النجاة أن يظن الإنسان أن كثرة الشعائر الظاهرة كافية، بينما يترك إصلاح قلبه وسلوكه مع الناس. فقد يصلي الإنسان أو يصوم، لكنه يقع في ظلم الآخرين أو الغيبة أو الكبر أو احتقار الناس، وهذه آفات قد تحبط العمل أو تنقص ثوابه. فالعبادة ليست مجرد حركات ظاهرة، بل هي خلق مستقيم وقلب خاشع وسلوك صالح.
ومن أسباب توهم النجاة أيضًا طول الأمل في الدنيا والغفلة عن النهاية، فبعض الناس يؤجل التوبة ويقول سأعود إلى الله لاحقًا، وكأن الموت بعيد عنه، مع أن الإنسان لا يعلم متى ينتهي أجله. وقد قال الله تعالى: ((اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ)).
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية.. أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: لا يا بنت الصديق ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم))[2].
يقول الحسن البصري: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشْفِق وَجِل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن.
ثالثًا: ليس المطلوب هو فعل الطاعات فقط بل واجتناب المنهيات أيضًا
فنصوص القرآن والسنة عامرة بآيات النهي، ويجمع كثيرٌ منها بين مأمورات ومنهيات، وفي هذا دلالة.
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تُعرَضُ الفِتَنُ على القُلوبِ عَرْضَ الحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فأيُّ قلبٍ أُشْرِبَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ سَوداءُ، وأيُّ قلبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ فيه نُكتةٌ بيضاءُ، حتى يصِيرَ القلبُ أبيضَ مثلَ الصَّفا، لا تَضُرُّه فِتنةٌ ما دامَتِ السمواتُ والأرضُ، والآخَرُ أسودَ مُربَدًّا كالكُوزِ مُجَخِّيًا، لا يَعرِفُ مَعروفًا، ولا يُنكِرُ مُنكَرًا، إلا ما أُشْرِبَ من هَواه))[8].
وقال ابن القيم: ((دَافع الخطرة فَإِن لم تفعل صَارَت فكرة فدافع الفكرة فان لم تفعل صَارَت شَهْوَة فحاربها فَإِن لم تفعل صَارَت عَزِيمَة وهِمَّة فَإِن لم تدافعها صَارَت فعلا فَإِن لم تتداركه بضدّه صَار عَادَة فيصعب عَلَيْك الِانْتِقَال عَنْهَا))[9].