عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»[1].
الجُودُ هو كثرةُ العطاء مع طِيبِ النفس، وهو أعمّ من الصدقة بالمال؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أكملَ الناس عطاءً في كل وجوه الخير، لا ينتظر مقابلًا، ولا يخشى فقرًا، وكان أجودَ ما يكون في رمضان فيبلغ الذِّروة في هذا الشهر؛ لما لرمضان من فضائل وأثر في تزكية النفوس والشعور بحاجات الآخرين.
وكان جبريل عليه السلام ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة في رمضان، فيُدارِسُه القرآن؛ أي: يقرؤه النبي صلى الله عليه وسلم، ويستمع جبريل، ويتدارسان التلاوة والتثبّت؛ فالمُدارسةُ تعني المراجعة والتثبيت والتدبّر.
وهنا إشارة عظيمة إلى أن ازدياد الصلة بالقرآن يزيد في الجود والعمل الصالح. فالقرآن لا يُثمر علمًا فحسب، بل يُثمر خُلُقًا وسلوكًا.
وشبه ابن عباس رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجود أنه أجود بالخير من الريح المرسلة لأنها سريعة، وعامّة النفع، وتصل إلى كل أحد، ولا تمنع خيرها عن أحد.
أي أن عطاياه صلى الله عليه وسلم كانت: متواصلة، وواسعة، وغير محصورة بفئة معينة، سريعة الاستجابة لحاجة المحتاج. وهذا من أبلغ صور التشبيه في وصف خلق الجود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحديث زاخر بالدلالات التربوية العميقة، ومنها:
-
أن القرآن يصنع الشخصية الكريمة، فكلما ازداد تعلّق المسلم بالقرآن، ازداد عطاءً ورحمةً وبذلًا.
-
وأن رمضان ليس شهر امتناع فقط، بل شهر عطاء.
-
وأن الصيام يُهذّب النفس، لكن غايته أن يثمر خُلُقًا عمليًّا.
-
وأن الجود مرتبط بحضور القلب؛ فاجتماع الصيام والقرآن وقيام الليل ينتج قلبًا حيًّا متحرّكًا بالخير.
-
وأن مما يعين على الفضائل الصحبة الصالحة، فلقاء جبريل عليه السلام يذكّر بأثر الصحبة في زيادة الإيمان والعمل.
رسالة الحديث
-
الإكثار من تلاوة القرآن ومدارسته في رمضان، ويكون هذا بوضع برنامج يومي للتلاوة، وتخصيص وقت لتدبّر المعاني، ومراجعة ما يُحفَظ، وحضور حلقات القرآن.
-
توسيع دائرة العطاء: فالعطاء لا ينحصر في المال فقط، بل يشمله ويشمل مجالس العلم، وقضاء حوائج الناس، والإصلاح بين الناس، والعفو عن المسيئين.
-
سرعة الاستجابة للخير.
-
كما كانت الريح المرسلة سريعة، فالمسلم: لا يؤجّل الصدقة، لا يؤخّر فعل المعروف، ولا يتردّد في عمل الخير.
-
تهذيب القلب: فالصيام ليس جوعًا فقط، فإن لم يظهر أثر الصيام في الأخلاق، فهناك خلل في المقصد.
—————————————–
