صوم الجنب: من أصبح جنبًا من احتلام فهو على صومه إجماعًا، وكذلك لو احتلم نهارًا كان على صومه باتفاق العلماء.
أما من أصبح جنبًا من جماع كان في الليل، فعند جماعة الفقهاء أنه على صومه يغتسل ويجزئه.
والدلالة على صحة صومه، قوله تعالى: «فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ» إلى قوله: «مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ»[1] وكان السبب في نزول هذه الآية، أن الله تعالى كان قد حرم على الناس الأكل والجماع في ليل الصيام بعد صلاة العشاء وبعد النوم، حتى روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يأتي امرأته في ليلة من شهر رمضان فقالت: إني صليت العشاء فواقعها وأخبر رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بذلك فنزل قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ»[2]، وروى البراء بن عازب أن صرمة بن قيس وكان شيخًا من الأنصار أتى منزله، ولم يهيأ إفطاره فغلبته عيناه ثم أتي بالطعام، وقد نام فلم يأكل وأصبح طاويًا، خرج إلى ضيعته فعمل فيها فغشي عليه، وخاف التلف فنزل قوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ»[3] فلما أباح الله تعالى الأكل، والجماع إلى طلوع الفجر، ولم يستثن زمان الغسل علم أنه لا يفسد الصوم.
روت عائشة وأم سلمة: «أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصبح جنبًا وهو صائم ثم يغتسل»[4].
وعن عائشة قالت: «كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصبح جنبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ»[5].
وعن عائشة رضي الله عنها «أن رجلًا جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب؛ فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي»[6].
وأيضا فإن الغسل عن الوطئ كالشبع والري عن الطعام، والشراب ثم كان هذا غير مفسد للصوم كذلك غسل الجنابة لأنه ثمرة فعل مباح.
من اشتبه عليه دخول الليل: من اشتبه عليه دخول الليل، فظن أن الشمس قد غربت، وأن الليل قد دخل فأفطر فله ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يتبين له أنه كان نهارًا، وأن الشمس لم تكن غربت فعليه الإعادة، وهو قول عامة الفقهاء. والدلالة على وجوب الإعادة ما روت أم سلمة قالت: جاء قوم إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: إنا ظننا أن الليل قد دخل فأكلنا ثم علمنا أنه كان نهارا فأمرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعادة يوم مكانه[7].
وعَنْ بِشْرِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: «كُنْتُ عِنْدَهُ عَشِيَّةً فِى رَمَضَانَ وَكَانَ يَوْمَ غَيْمٍ فَظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ فَشَرِبَ عُمَرُ وَسَقَانِى، ثُمَّ نَظَرُوا إِلَيْهَا عَلَى سَفْحِ الْجَبَلِ فَقَالَ عُمَرُ: لاَ نَُبالِى وَاللَّهِ نَقْضِى يَوْمًا مَكَانَهُ»[8]. وهذا صحيح، قال الشافعي: يعني: إن فيه قضاء يوم لأنه مما لا يشق، ولأن الاشتباه لا يسقط حكم الوقت كما إذا اشتبه عليه زوال الشمس فصلى، ثم بان له الخطأ لزمه الإعادة فكذلك في الصيام.
والحالة الثانية: أن يتبين له أنه أكل بعد غروب الشمس ودخول الليل، فلا قضاء عليه.
والحالة الثالثة: أن يبقى على جملة الاشتباه، ولا يتبين له اليقين فهذا يلزمه الإعادة لأن الأصل بقاء النهار، فلا ينتقل عن حكمه إلا بيقين خروجه.
مسألة: إذا اشتبه عليه طلوع الفجر فأكل فإن كان على شك، واشتباه فله ثلاثة أحوال أيضًا:
أحدها: أن يتبين له فيما بعد أن الفجر كان طالعًا حين أكل فعليه القضاء؛ لأن الاشتباه لا يسقط حكم الوقت مع إمكان التحرز منه.
والحالة الثانية: أن يتبين له بقاء الليل في الوقت الذي أكل فلا قضاء عليه، لمصادفته زمان الإباحة.
والحالة الثالثة: أن يبقى على حال الاشتباه فلا يبين له بقاء الليل، ولا طلوع الفجر فلا إعادة عليه، لأن الأصل بقاء الليل، وإباحة الأكل ما لم يتيقن طلوع الفجر.
مسألة: إذا اطلع الفجر وفي فيه طعام أو ماء فعليه أن يلفظ الطعام، ويمج الماء فإن فعل ذلك كان على صومه، وكأنه تمضمض وإن ازدرده وابتلعه أفطر، ولزمه القضاء إن كان ذاكرًا لصومه، وصار في حكم الآكل عامدًا، لأن حصول الطعام في فمه غير مؤثر في صومه، لأنه لو ترك ذلك في فمه جميع يومه كان على صومه.
وإن وصل طعمه إلى حلقه فلو سبقه الطعام ودخل إلى جوفه من غير اختيار لازدراده، وهو ذاكر لصومه ففي إفطاره وجهان مخرجان من المضمضة والاستنشاق. أصحهما: عليه القضاء. والثاني: لا قضاء عليه.
من جامع أهله، فطلع عليه الفجر، وهو مجامع فالواجب عليه أن يبادر إلى إخراجه مع طلوع الفجر سواء، فإن فعل فهو على صومه، والدلالة على صحة صومه، قوله تعالى: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ»[9]، فكان جميع الليل زمانًا للإباحة، فإذا نزع مع آخر الإباحة اقتضى أن لا يفسد صومه، ولأن الإخراج ترك الجماع وضد الإيلاج، فوجب أن يختلف الحكم فيهما، ألا تراه لو قال: والله لا دخلت هذه الدار وهو داخلها فبادر إلى الخروج منها لم يحنث، ولو قال: والله لا لبست هذا الثوب، وهو لابسه فبادر إلى نزعه لم يحنث كذلك حكم الإخراج، يجب أن يكون مخالفًا لحكم الإيلاج.
مسألة: إن لبث على جماعه، وأمسك عن إخراجه، فقد أفسد صومه ولزمه القضاء والكفارة.
والدلالة على وجوبهما عليه هو أنه هتك حرمة يوم من شهر رمضان بوطء أثم فيه فوجب أن يلزمه القضاء والكفارة، أصله إذا ابتدأ الوطء في خلال النهار، ولأن كل معنى إذا طرأ على الصوم أفسده، فإذا قارن أوله منع انعقاده، فوجب أن يستوي الحكم فيما يفسده، وفيما يمنع انعقاده كالأكل يستوي الحكم فيه، إذا قارب طلوع الفجر، وإذا طرأ عليه في خلال النهار، ولأنه حكم يتعلق بالجماع إذا فسد الصوم فوجب أن يتعلق به إذا منع انعقاده.
فأما إذا طلع الفجر عليه وهو مجامع فلم يعلم بطلوعه حتى خرج من جماعه، ثم علم فعليه القضاء، ولا كفارة لأنه لم يقصد هتك حرمة الصوم.
ولو طلع الفجر عليه، وهو مجامع فظن أن صومه قد بطل لو أقلع، فمكث ممسكًا عن إخراجه فعليه القضاء ولا كفارة لأنه غير قاصد لهتك الحرمة.
مسألة: إذا كان بين أسنانه من بقايا أكله ما يجري به الريق لا يمكنه ازدراده خلاف بين الفقهاء، أنه على صومه لا يفطر لما يلحق من المشقة في التحرز من مثله، فصار في معنى الدخان، والغبار، والروايح العطرة التي عفي عنها لإدراك المشقة في التحرز منها.
مسألة: فأما إن كان بين أسنانه ما يمكنه ازدراده فإن ازدرده، أفطر قليلًا كان أو كثيرًا، بل كان كالسمسمة أفطر به.
ولا فرق عندنا بين قليل ذلك وكثيره في أن الفطر واقع به لحصول الازدراد وعدم التخصيص.
مسألة: بلع الريق، وازدراده فعلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يبلع ما يتخلف في فمه حالًا فحالًا، فهذا جايز لا يفسد به الصوم، لأنه لا يمكنه الاحتراز منه.
والثاني: أن يمج الريق من فمه ثم يزدرده ويبتلعه فهذا يفطر به إجماعًا، لأنه كالمستأنف للأكل.
والقسم الثالث: أن يجمعه في فمه حتى يكثر، ثم يبتلعه ففي فطره وجهان:
أحدهما: قد أفطر به لأنه لا مشقة في التحرز من مثله.
والثاني: لا يفطر لأنه لا يفطر بقليله، فكذلك لا يفطر بكثيره.
مسألة بلغ النخامة: أما النخامة إذا ابتلعها ففيها وجهان:
أحدهما: قد أفطر بها.
والثاني: لم يفطر بها، والصحيح أنه يفطر.
مسألة إن أخرج النخامة من صدره ثم ابتلعها فقد أفطر كالقيء، وإن أخرجها من حلقه، أو دماغه لم يفطر كالريق.
حكم القئ: القيء عندنا كالأكل سواء: إن استقاء عامدًا أفطر ولزمه القضاء، وإن ذرعه القيء وغلبه لم يفطر.
والدلالة على صحة ما قلناه، رواية ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من استقاء فعليه القضاء ومن ذرعه القئ فلا قضاء عليه»[10]
وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر: «أَنَّ الصَّائِمَ إِذَا ذَرَعَهُ القَيْءُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَقَاءَ عَمْدًا، فَلْيَقْضِ»[11]، وروى معدان بن طلحة عن أبي الدرداء «أن رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قاءَ فأفطَر»[12].
وفي حديث أبي هريرة دلائل: أحدها: منها أن الأكل عامدًا يلزمه القضاء ولا كفارة؛ لأنه كالمتقيء عامدًا. ومنها: أن الأكل ناسيًا لا قضاء عليه، ولا كفارة.
ومنها: أن المكره على الإفطار لا قضاء عليه لأنها في معنى من غلبه القيء.
فإن قيل إنما يكون الفطر بما يدخل الجوف لا بما يخرج منه قلنا: قد يكون الفطر بالأمرين معا ألا ترى، أن من قبل أو لمس فأنزل أفطر، وإن كان المني خارجًا منه، على أنه لا بد من عود بعض القيء إلى جوفه،
الإكراه على الفطر: لا يفطر عندنا، ودليلنا ما روي عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قد تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[13].
ولأن محظورات الصيام طرأت بغير فعله لم يفطر بها كغبار الدقيق.
ولأن الأكل ناسيًا أحسن حالًا من المكره، ولا يفطر به فكان المكره أولى أن لا يفطر.
مسألة: إن أصبح يوم الثلاثين من شعبان على شك ثم تبين أنه من رمضان بشهادة عدلين على الهلال، فعليه وعلى الناس أن يمسكوا بقية يومهم، ولا يفطروا، سواء أكلوا في أوله أو لم يأكلوا؛ لأنه لما بان أنه من رمضان لزم التزام حرمته، وإمساك بقيته.
هل يسمى هذا الإمساك صومًا شرعًا أم لا؟ اختلف أصحابنا على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: إنه يسمى صومًا شرعيًا بوجوب الإمساك فيه.
والثاني: وهو قول أكثر أصحابنا: إنه إمساك واجب، فأما أن يكون صومًا شرعيًا فلا؛ لأنه لا يقع الاعتداد به لا عن رمضان، ولا عن غيره.
فإذا أمسكوا بقية يومهم على ما ذكرنا فعليهم، الإعادة بكل حال طعموا به أم لا لإخلالهم بالنية عن الليل.
مسألة: إذا أمسى الناس ليلة ثلاثين من شعبان على شك من دخول رمضان فنوى رجل، وقال أنا غدًا صائم، فإن كان من رمضان، فهو فرض، وإن كان من شعبان فهو تطوع، فبان أنه من رمضان لم يجزه ولزمته الإعادة لأنه على غير يقين من دخوله، ولا مستند إلى أصل يجري الحكم عليه؛ إذ الأصل بقاء شعبان، وهو على شك من دخول رمضان.
مسألة: لو قال: أنا غدًا صائم، فإن كان من رمضان، فهو فرض أو نافلة، فبان أن من رمضان لم يجزه، لمعنيين:
أحدهما: ما ذكرنا. والثاني: الاشتراك بين الفرض، والنافلة.
مسألة: لو قال: أنا غدًا صائم إن كان من رمضان، فإن لم يكن من رمضان فأنا مفطر فبان من رمضان لم يجزه لأنه جعل نيته مشتركة بين صومه وفطره،
مسألة: لو قال: أنا غدًا صائم إن كان من رمضان، فبان من رمضان لم يجزه، وإن لم يكن من رمضان فأنا مفطر، فبان من رمضان لم يجزه.
مسألة: إذا أمسى الناس ليلة ثلاثين من رمضان على شك من دخول شوال، فقال رجل: أنا غدًا صائم إن كان من رمضان وإن لم يكن من رمضان، فأنا مفطر فبان أنه من رمضان أجزأه.
مسألة: لو قال: أنا غدًا صائم، فإن كان من رمضان، فهو فرض وإن كان من شوال، فهو تطوع، فبان أنه من رمضان أجزأه لا فرق بينهما، لأنه إن بان من شوال فهو مفطر وإن نوى الصوم
وإنما أجزأه عن فرضه في هاتين المسألتين، ولم يجزه فيما تقدم لأن حكم رمضان ثابت له، ما لم يتيقن زواله بحدوث ما سواه فصار أصلًا يستند إليه.
مسألة: لو قال: أنا غدًا صائم إن كان من رمضان أو مفطر، فبان أنه من رمضان لم يجزه، لأنه جعل نيته مشتركة بين صومه، وفطره.
مسألة: لو قال: أنا غدًا صائم فإن بان من رمضان، فهو فرض أو نافلة لم يجزه.
مسألة: لو عقد رجل على أن غدا عنده من رمضان في يوم شك لأنه رآه وحده، والقاضي لا يسمع قوله، ثم بان لهم أنه من رمضان أجزأه،
ولا إعادة عليه، لأنه دخل في الصوم عن دلالة، واستفتح العبادة بغلبة الظن لا بالشبهة، ألا تراه لو سمع أذان الظهر، فاستفتح الصلاة بغلبة الظن أجزأه، وإن لم يعلم يقين دخول الوقت أجزأه، ولو استفتحها عن شبهة وشك لم يجزه، وإن صادف الوقت فكذا الصيام مثله في الموضعين.
مسألة: إذا علم أن غدًا من رمضان بحساب النجوم، ومنازل القمر فنوى الصوم، ثم بان للناس أنه من رمضان ففيه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: يجزيه صومه ولا إعادة عليه لأنه استند إلى دلالة وقع له العلم بها.
والوجه الثاني: لا يجزيه وعليه الإعادة؛ لأن النجوم لا مدخل لها في العبادات وأحكام الشرع.
مسألة: إن أكل شاكًا في الفجر فلا شيء عليه، فالأكل فمباح ما لم يطلع الفجر الثاني.
قال الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا»[14]، وروي عن عدي بن حاتم أنه أخذ خيطين أبيض، وأسود، وتركهما على وسادته، وراعاهما إلى الصباح فلم يستبن له، فلما أصبح أخبر رسول الله r فقال: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْوِسَادِ، إنما هو سَوَادُ اللَّيْلِ، وبَيَاضُ النَّهَارِ»[15] ، والعرب تسمي فجر الصبح خيطًا، قال أبو داوود الأيادي
فلما أضاءت له سدفة … ولاح من الصبح خيط أنارًا
وفي قوله: إنك لعريض الوساد تأويلان
أحدهما: أنه نسبه إلى الخفة والحمق. والثاني: أن من أراد معرفة الليل والنهار من وسادته وظن أنهما قد اجتمعا فيها، فإن وسادته عريضة، وهذا إنما قاله له لأنه وضع الخيط تحت وسادته.
فإذا ثبت أن طلوع الفجر الثاني أول زمان الصيام، فشك في طلوعه، فالأولى له اجتناب الأكل خوفًا من مصادفة نهار زمان الخطر، فإن أكل وهو على جملة الشك، فهو على صومه، ولا قضاء عليه ما لم يتحقق طلوعه.
حكم الوطء: الصائم فممنوع من الوطء إجماعًا؛ فإن وطئ في صوم رمضان فقد أفسد صومه، ولزمه القضاء والكفارة.
ودليله ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: هلكت يا رسول الله. قال: «وَمَا شَأْنُكَ؟» قال: وقعت على امرأتي في رمضان. قال: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قال: لا. قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لا. قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قال لا أجد. فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعرق فيه تمر فقال «خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». قال: أعلى أفقر منا؟ ما بين لابتيها أفقر منا. ثُمَّ قَالَ: «خُذْهُ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»[16].
حكم الوطء في صيام غير رمضان: ما سوى رمضان من النذور والكفارات، وقضاء رمضان، وصوم التطوع فلا كفارة على الواطئ في شيء منه.
والفرق بينها وبين رمضان أن الكفارة إنما وجبت في صوم شهر رمضان لتأكد حرمته، وتعيين زمانه، وإن الفطر لا يتخلله والقضاء مخالف له.
مسألة: هل على الزوجة كفارة؟ مذهب الشافعي وما نص عليه في كتبه القديمة والجديدة، أن الواجب كفارة واحدة على الزوج دونها وفي كيفية وجوبها عليه قولان:
أحدهما: وهو منصوص الشافعي، إنها وجبت عليها، ثم تحمل الزوج عنها.
والثاني: أنها وجبت ابتداء على الزوج.
والدلالة على صحة ما قلناه في وجوب كفارة واحدة عليهما، ما رويناه في حديث الأعرابي، وقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أعتق رقبة».
والدليل في هذا الخبر من وجهين:
أحدهما: أن الأعرابي إنما سأله عن فعل شارك فيه زوجته مع جهلهما بحكمه، فاقتضى أن يكون جوابه حكمًا لجميع الحادثة.
والثاني: أنه لما كان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولم ينقل عنه أنه أمر المرأة بالكفارة، ولا راسلها بإخراجها مع جهلها بالحكم، فيما دل على أن الكفارة لا تلزمها.
فإن قيل: إنما لم يأمرها بالكفارة، لأنها مكرهة لقول الأعرابي هلكت وأهلكت، قيل: المنقول في الخبر غير هذا، على أنه لو صح لكان هو الحجة في عدم الإكراه، لأن المكرهة لا تهلك بفعل ما أكرهت عليه، ولا يلحقها فيه إثم فلما ذكر أنه أهلكها علم أنه سألها فطاوعته، فهلكت بمطاوعته.
ولأنه حق في مال يتعلق بالوطء، فوجب أن يختص الزوج بتحمله كالمهر.
فإذا ثبت أن في الكفارة قولين: أصحهما كفارة واحدة. والثاني: كفارتان؛ فإن قلنا بوجوب كفارتين راعيت حال كل واحد منهما في نفسه من يساره وإعساره، فربما اتفقت أحوالهما فأعتقا معا، أو صاما معًا أو أطعما معًا، وربما اختلفت أحوالهما فأعتق أحدهما، فصام الآخر أو صام أحدهما وأطعم الآخر، فلا يكون لأحدهما تعلق بحال صاحبه، كما لو حنثا في يمين.
وإن قلنا بوجوب كفارة واحدة، وهو الصحيح ففي كيفية وجوبها قولان:
أحدهما: أنها وجبت ابتداء على الزوج كالمهر الذي يختص به الزوج، وإن اشتركا في الوطء فعلى هذا يعتبر بها حال الزوج وحده، فإن أعتق أو صام أو أطعم أجزأ ولا شيء على الزوجة بحال، لا حظ لها في الوجوب.
والقول الثاني: أن الكفارة وجبت عليهما، ثم يحمل الزوج عنهما لأنهما اشتركا في هتك الحرمة، فوجب أن يشتركا في الكفارة.
مسألة: تكرار الوطء في يومين: إذا وطئ الصائم زوجته في يوم من شهر رمضان عامدًا، ثم وطئها في يوم ثان فعليه كفارتان، وكذلك لو وطئها في يوم ثالث ورابع، كان عليه في كل يوم كفارة وسواء كفر عن الوطئ الأول أم لا.
ودليلنا هو أنه أفسد بوطئه صوم يومين، لو كفر عن الأول لزمه الكفارة عن الثاني، فوجب أن تلزمه الكفارة عن الثاني، وإن لم يكفر عن الأول.
ولأنهما يومان لو أفرد كل واحد منهما بالفساد، لزمته الكفارة، فوجب إذا أفسدهما معا أن تلزمه كفارتان.
ولأن كل حكم تعق بالجماع الأول تعلق بالجماع الثاني، كالقضاء.
ولأن لكل يوم من الشهر حرمة يتميز بها عن الآخر لما يلزمه من تجديد النية، ولا يتعدى فساد اليوم، إلى غيره فوجب أن يلزمه بهتك حرمة يوم كفارة مجددة.
مسألة: تكرار الوطء في يوم واحد: إذا وطئ في صدر النهار، ثم وطئ في وسطه، ثم وطئ في آخره، فليس عليه إلا كفارة واحدة، لأن حرمة اليوم واحدة قد انتهكها بالوطء الأول.
مسألة: وطء أكثر من زوجة في يوم واحد: لو وطئ أربع زوجات له في يوم واحد، كان عليه أربع كفارات في أحد القولين، إذا قيل: إن الكفارة وجبت عليهما.
وفي الوجه الثاني: كفارة واحدة إذا قيل: إنها وجبت على الزوج وحده.
مسألة: وطء من جاز له الفطر: إذا قدم المسافر نهارًا من سفره، وقد أفطر في صدر يومه؛ فصادف زوجته، قد طهرت من حيضها في تضاعيف يومها؛ فوطئها فلا إثم عليهما، ولا كفارة لارتفاع حرمة اليوم بالإفطار السابق.
مسألة: إذا وطئ الرجل في صدر النهار ثم جن في آخره أو مرض: في سقوط الكفارة عنه قولان:
أحدهما: قد سقطت عنه الكفارة، وبه قال أبو حنيفة. لأن أول اليوم مرتبط بآخره وحكم جميعه واحد، فإذا طرأ عليه الجنون لم تستقر فيه وإذا زالت الحرمة سقطت الكفارة ولأنها تجب بهتك الحرمة.
والقول الثاني: إن الكفارة ثابتة لم تسقط عنه.
وبه قال ربيعة ومالك؛ لأن الكفارة وجبت بالوطء السابق الذي انتهك به حرمة الصوم، ولا حكم لما طرأ بعد وجوبها، كما لو سافر بعد الوطء لم تسقط عنه الكفارة بالسفر الطارئ بعد ثبوتها.
مسألة: إذا وطئ الصائم ناسيًا في نهاره، أو أكل ناسيًا: فهو على صومه، ولا قضاء عليه ولا كفارة.
والدلالة على صحة صومه: عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قد تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[17].وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فقال: يا رسولَ اللهِ إني أكلْتُ وشَرِبْتُ ناسيًا وأنا صَائم؛ فقال: اللهُ أطعَمَكَ وسَقَاكَ»[18].
وفيه دليلان: أحدهما: إنه سلبه فعله وأضافه إلى الله سبحانه.
والثاني: إنه لم يأمره بالقضاء مع جهل السائل بحكم فعله فدل على أنه على صومه.
وروى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»[19]، فلما أمره بإتمام صومه دل على أنه لم يفطر.
ولأنها عبادة يفسدها الأكل عامدًا فوجب أن لا يفسدها الأكل ناسيًا.
ولأنه معنى وقع في أثناء الصوم يختص عمده بإفساد الصوم، فوجب أن لا يفسد بسهوه.
مسألة: لا قضاء على من أكل وجامع ناسيًا.
مسألة: لو أكل ناسيًا فظن أن صومه قد بطل؛ فجامع عامدًا لزمه القضاء، ولا كفارة عليه لأنه لم يقصد هتك الحرمة.
تابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الأول
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثاني
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثالث
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الرابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الخامس
مختصر الحاوي الكبير – الجزء السادس
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا
——————————————————-
