حكم الحائض: الحائض لا صوم عليها زمان حيضها بل لا يجوز لها، ومتى طرأ الحيض على الصوم أبطله.
ودليله: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ قُلْنَ: بَلَى. قَالَ: فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا»[1].
ولما روي عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ؛ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ» قَالَ يَحْيَى الشُّغْلُ مِنْ النَّبِيِّ أَوْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »[2]. تعني قضاء رمضان من أجل الحيض فإن أكثر ما في الحائض أن تكون محدثة، والحدث والجنابة لا يمنعان الصوم:
مسألة: إذا طهرت لزمها قضاء الصيام دون الصلاة لأمرين:
أحدهما: ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاة».[3]
والثاني: أن المشقة لاحقة في إعادة الصلوات لترادفها مع الأوقات، والصوم لقلته لا تلحق المشقة في إعادته فلهذا ما لزمها قضاء الصيام دون الصلاة.
تعجيل الفطر وتأخير السحور: تعجيل الفطر إذا تيقن غروب الشمس مسنون لما رواه سهل بن سعد الساعدي أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لن يزالَ النَّاسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطرَ، ولم يُؤخِّروه تأخيرَ أهلِ المشرقِ»[4].
أما السحور فسنة، ويستحب تأخيره، روى أنس رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[5].
سفر الرجل وامرأته معه: كل مسافة جاز أن تقصر فيها الصلاة جاز أن يفطر فيها في شهر رمضان، لأن الفطر رخصة كالقصر.
واختلفوا في قدر المسافة فعندنا أنها مسافة يوم وليلة بسير النقل، ودبيب الأقدام وقدر ذلك ستة وأربعون ميلًا بالهاشمي، أو ثمانية وأربعون ميلًا بالمرواني، وهو ستة عشر فرسخًا، وهو أربعة برد
ودليله: ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تفطروا يا أهل مكة في أقل من أربعة برد»[6]، وذلك من مكة إلى عسفان وإلى الطايف، فإذا سافر قدر المسافة المذكورة جاز لهما الفطر إن شاء بالأكل أو بالجماع فلا كفارة عليه:
لأن الفطر المباح يستوي فيه حال الأكل والجماع، والفطر في السفر مباح.
والدلالة على أن الفطر رخصة وإباحة رواية عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لحمزة بن عمرو الأسلمي «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»[7] .
وروي عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك أنهما قالا: «كُنَّا نَغْزُو مع رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَجِدُ الصَّائِمُ علَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ علَى الصَّائِمِ»[8].
مسألة: إذا ثبت أن الفطر رخصة فالصوم أولى له، إذا قدر عليه
ودليلنا: أن الفطر رخصة، والصوم عزيمة وفعل العزيمة أفضل من فعل الرخصة.
مسألة: صوم غير الفريضة في رمضان: زمان رمضان يمنع من إيقاع غيره فيه في الحضر والسفر، فإن صام فيه نذرًا أو قضاء أو كفارة أو تطوعًا لم يجزه عن رمضان لأنه لم ينوه، ولا عن غيره لأن الزمان يمنع من إيقاع.
مسألة: إذا قدم رجل نهارًا من سفره، وكان قد أفطر في أول يومه، فله أن يأكل في بقية اليوم، وإن صادف امرأته قد طهرت من حيضها فله أن يجامعها، لكن يستتر بهذا الفعل خوفا من التهمة والتعريض للعقوبة، ولا يلزمه إمساك بقية هذا اليوم، ولو فعل كان حسنًا.
وكل من جاز له الأكل في أول النهار مع العلم بالصوم، فإذا أفطر لم يلزمه أن يمسك بقية يومه. وأصله الحائض إذا طهرت أو السفر إذا اتصل.
مسألة إذا طهرت الحائض في نهار يوم من شهر رمضان، فليس عليها إمساك بقيته بوفاق أبي حنيفة،
كذلك لو بلغ صبي أو أسلم كافر أو أفاق مجنون في نهار من شهر رمضان، لم يلزمهم إمساك بقية اليوم كالمسافر، والحائض.
أما المريض إذا أفطر في صدر النهار لمرض، ثم صح في آخره فعند البغداديين من أصحابنا أنه كالمسافر لا يلزمه الإمساك، وعند البصريين عليه أن يمسك لأنه إنما أبيح له الفطر لعجزه عن الصوم فإذا زال العجز، وأمكنه الصوم ارتفع معنى الإباحة ولزمه الإمساك وليس كذلك المسافر، لأنه يفطر وإن أطاق الصوم، والقول الأول أقيس، وهذا أشبه.
مسألة: إذا قدم من سفره، ولم يكن أكل ولا شرب ولا نوى الصوم وكان على نية الفطر، فلم يفطر حتى قدم فله أن يأكل، ولا يلزمه الإمساك، ولو أمسك كان أولى.
ولا يلزمه الإمساك لأنه قد أفطر بترك النية، وإن لم يأكل فصار بمثابة من أفطر بالأكل.
أما إذا نوى الصوم في سفره، ثم قدم ناويًا فهل يلزمه إتمام صومه أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي يلزمه إتمام صومه، ولا يجوز له الفطر، لأن زوال السفر قد رفع حكم الإباحة كالمسافر إذا نوى القصر، ثم أقام لزمه الإتمام.
والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وقد نص عليه الشافعي، في حرملة أنه على خياره إن شاء صام، وإن شاء أفطر لأن حكم اليوم معتبر بأوله ألا تراه لو نوى الصوم مقيمًا، ثم سافر لم يجز له أن يفطر اعتبار بحكم أوله، فكذلك إذا نوى الصوم مسافرًا، ثم أقام فله أن يفطر اعتبارًا بحكم أول اليوم.
لو أن مقيمًا ابتدأ السفر قبل الفجر فلا شبهة أنه بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر لأنه ابتدأ السفر في زمان يجوز له الفطر فيه فلذلك لم يتحتم عليه صوم ذلك اليوم.
أما إن نوى الصيام، وهو مقيم ثم سافر بعد الفجر، فمذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة أن عليه أن يتم صومه وليس له أن يفطر.
والدليل قوله تعالى: «وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ»[9] لأنها عبادة تختلف بالسفر والحضر فوجب إذا ابتدأها في الحضر ثم طرأ عليه السفر، أن يغلب حكم الحضر كالصلاة والمسح على الخفين.
ولأنه قد خلط إباحة بحظر ولا بد من تغليب أحدهما في الحكم، فكان تغليب الخطر أولى
وأما إن نوى الصيام من الليل ثم سافر، وهو لا يعلم هل سافر قبل الفجر، أو بعده فهذا يلزمه إتمام صومه، وليس له أن يفطر، لأنه على يقين من حدوث السفر، وفي شك من تقدمه، وبالشك لا تباح الرخص.
وأما إذا لم ينو الصيام أصلًا، ثم سافر بعد الفجر فهذا يفطر لإخلاله بالنية من الليل، وعليه الإمساك، لأن حرمة اليوم قد ثبتت بأوله، وعليه القضاء لأنه مفطر بترك النية.
مسألة: من رأى الهلال وحده: فقد تعلق عليه حكم العبادة وسواء حكم القاضي بقوله أم لا، فإن كان هلال رمضان لزمه الصيام، وإن كان هلال شوال لزمه الإفطار، وبه قال أبو حنيفة.
والدليل: قوله تعالى: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ»[10] فحتم الصوم على من شهده، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»[11] فعلق الحكم بالرؤية.
حكم من رأى هلال شوال وحده: له أن يأكل حيث لا يراه أحد خوفًا من التهمة، وعقوبة السلطان،
حكم من رأى هلال رمضان وحده: لزمه الصيام، فإن جامع فيه لزمه الكفارة.
والدليل أنه يوم لزمه صومه من رمضان فوجب، أن تلزمه الكفارة، إذا هتك حرمته بالوطء.
وأصله: إذا حكم القاضي بشهادته، فأما قياسه على يوم الشك فغير صحيح لأنه لم يلزمه صومه عن رمضان، وهذا يوم لزمه صومه عن رمضان.
بم يثبت هلال شوال؟ لا يقبل في هلال شوال إلا شهادة عدلين.
بم يثبت هلال رمضان؟ للشافعي فيه قولان:
أحدهما: لا يقبل فيه إلا عدلان. والثاني: يقبل فيه شهادة عدل واحد.
إذا أصبح الناس يوم الثلاثين من رمضان شاكين في يومهم هل هو من رمضان أو من شوال؟ عليهم صيامه ما لم تقم البينة، أنه من شوال.
فإن شهد برؤيته شاهدان نظر في عدالتهما: فإن لم يكونا من أهل العدالة لم يحكم بشهادتهما، وكان الناس على صومهم، وإن ثبتت عدالتهما حكم القاضي بشهادتهما، وأفطر القاضي أولا ثم الشاهدان، ثم الناس بعدهم، وسواء بان ذلك قبل الزوال، أو بعده.
فأما صلاة العيد فينظر فإن بانت عدالتهما قبل الزوال صلى الإمام بهم صلاة العيد، لأن وقتها من طلوع الشمس إلى زوالها، فإن أمكنه أن يخرج بالناس إلى المصلى فعل، وإن ضاق عليه الوقت صلى بهم حيث أمكنه من جامع، أو مسجد.
وإن بانت عدالتهما بعد الزوال، فقد فات وقت الصلاة،
مسألة: هل تقضى صلاة العيد إن بانت عدالتهما بعد الزوال أم لا؟
على قولين: أحدهما: – واختاره المزني – لا تقضى لأنها صلاة نافلة سن لها الجماعة فوجب أن تسقط بالفوات كصلاة الخوف.
والقول الثاني: إنها تقضى لأنها صلاة راتبة في وقت، فوجب أن لا تسقط بفوات وقتها كالفرائض، وعلى هذين القولين يخرج قضاء الوتر، وركعتي الفجر.
إذا قيل: إنها تقضى نظر: فإن تعذر عليه اجتماع الناس في بقية يومهم، لتفرقهم وسعة بلدهم أمرهم أن يجتمعوا من الغد، فإذا اجتمعوا صلى بهم صلاة العيد في وقتها من الغد من جماعة، لأن المقصود منها تكامل الجماعة، وإظهار الزينة، وأن يحثهم على الصدقة وفعل الخير وينهاهم عن المأثم، فلذلك لم يصل قبل اجتماعهم.
وإن كانوا مجتمعين في يومهم ففيه وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنه يصلي بهم في بقية يومهم لأنه أقرب إلى وقتها من الغد. والوجه الثاني: وهو مذهب الشافعي يؤخرها إلى الغد ليصليها في مثل وقتها ولا يصليها في بقية اليوم لرواية أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قضاها من الغد[12].
فأما إن بانت عدالة الشاهدين بعد غروب الشمس، فإنهم يصلون العيد من الغد قولًا واحدًا لا يختلف لقوله صلى الله عليه وسلم: «فِطْرُكم يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وأضْحَاكُم يَوْمَ تُضَحُّونَ»[13].
قضاء رمضان: إذا أفطر أيامًا من شهر رمضان لعذر أو غيره، فالأولى به أن يبادر بالقضاء وذلك موسع له ما لم يدخل رمضان ثان.
فإن دخل عليه شهر رمضان ثان صامه عن الفرض، لا عن القضاء فإذا أكمل صومه قضى ما عليه ثم ينظر في حاله:
فإن كان أخر القضاء لعذر دام به من مرض، أو سفر فلا كفارة عليه، وإن أخره غير معذور فعليه مع القضاء الكفارة عن كل يوم بمد من طعام، وهو إجماع الصحابة، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق والأوزاعي والثوري.
ودليلنا قوله تعالى: «وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ»[14]، فكان هذا عامًا في كل مطيق إلا ما قام دليله.
وروى مجاهد عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «ومن أفطر رمضان بمرض ثم صح فلم يقض حتى أدركه رمضان آخر فليصم ما أدركه، ثم ليقض الذي فاته وليطعم عن كل يوم مسكينًا»[15].
ولأنها عبادة تجب الكفارة بإفسادها، فجاز أن تجب بتأخيرها الكفارة كالحج تجب الكفارة بإفساده وتجب بفوات عرفة هذا مع إجماع ستة من الصحابة لا يعرف لهم خلاف.
حكم من مات وعليه صيام: إذا وجب عليه صيام أيام من نذر أو كفارة أو قضاء فلم يصمها حتى مات، فله حالان:
أحدهما: أن يموت بعد إمكان القضاء.
والثاني: أن يموت قبل إمكان القضاء.
فإن مات قبل إمكان القضاء سقط عنه الصوم ولا كفارة في ماله.
وإن مات بعد إمكان القضاء، سقط عنه الصوم أيضا ووجب في ماله الكفارة عن كل يوم مد من طعام، ولا يجوز لوليه أن يصوم عنه بعد موته، هذا مذهب الشافعي في القديم والجديد، وبه قال مالك وأبو حنيفة وهو إجماع الصحابة.
والدلالة على صحة قولنا رواية نافع عن ابن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من مات وعليه صوم رمضان فليطعم عن كل يوم مسكينًا»[16]. فأسقط القضاء وأمر بالكفارة.
وروي عن ابن عباس وعمر وعائشة رضي الله عنهم، أنهم قالوا: من مات وعليه صوم أطعم عنه، ولا يصوم أحد عن أحد، ولا مخالف لهم.
ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في حال الحياة مع العجز، فوجب أن لا تدخلها النيابة بعد الوفاة، أصله الصلاة، وعكسه الحج.
ولأن الصوم إذا فات انتقل عنه إلى المال لا إلى النيابة كالشيخ الهرم.
مسألة: إن مات قبل إمكان الصوم فلا كفارة عليه، وإن مات بعد إمكان الصوم فعليه الكفارة في ماله عن كل يوم مد لمسكين.
مسألة: لو أفطر أيامًا من رمضان، ولم يصمها مع القدرة حتى دخل عليه رمضان ثان ثم مات، فعليه لكل يوم مدان: مد بدل عن الصيام، ومد بدل عن التأخير، هذا مذهب الشافعي، وسائر أصحابه.
كيفية القضاء: الأولى في القضاء أن يأتي به متتابعًا، وإن قضى متفرقًا أجزأه، وبه قال ابن عباس، ومعاذ، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، ورافع بن خديج، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأكثر الفقهاء.
ودليلنا قوله تعالى: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»[17] ففي أي زمان قضي كان ممتثلًا للأمر، فإن قيل: فهذا أمر والأمر على الفور لا على التراخي، قلنا لنا فيه مذهبان:
أحدهما: أنه على التراخي، فلم يلزمنا هذا السؤال.
والثاني: أنه على الفور لكن قام دليل على التراخي، وفي قوله تعالى: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ» دليل على جواز التراخي، لأن تقديره فعدة في أيام أخر.
وروى ابن الزبير عن جابر قال: «قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ! رجلٌ كانَ علَيهِ قضاءٌ من رمضانَ، فقَضى يومًا أو يومينِ مُنقَطِعينِ، أيجزئُ عنهُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أرأيتَ لو كانَ عليهِ دينٌ فقضاهُ دِرهمًا ودِرهَمينِ حتَّى يقضيَ دينَهُ، أترونَ ذمَّتَهُ برِئَت؟ قالَ: نعَم، قالَ: يَقضي عَنهُ»[18].
ولأن القضاء في كل عبادة مثل الأداء، ثم تقرر أن التتابع ليس من شرط الأداء؛ لأنه لو أفطر يومًا من الشهر لم يبطل ما يليه من الطرفين، فكذلك القضاء.
صوم يومي العيدين: أما يوم الفطر، ويوم النحر فلا يعرف خلاف في أن صومهما حرام، لرواية أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ»[19].
ولرواية الزهري عن أبي عبيد مولى أزهر قال: «شهدت العيد مع عمر بن الخطاب فبدأ بالصلاة قبل الخطبة قال إن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن صوم هذين اليومين يوم الفطر يوم الأضحى ففطركم من صيامكم وأما الأضحى فتأكلون من لحوم نسككم»[20].
فلو صامهما أحد، كان عاصيًا لله تعالى بل لا يصح صومهما كالليل، فلو نذر صومهما، كان نذره باطلًا، ولا قضاء عليه.
صوم أيام التشريق، وهي أيام منى الثلاثة: كان الشافعي يذهب في القديم إلى أن للمتمتع أن يصومها عن تمتعه وبه قال مالك، لقوله تعالى: «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ»[21]، ولا خلاف بين أهل العلم أن هذه الآية نزلت في يوم التروية، وهو الثامن من ذي الحجة فعلم أنه أراد بها أيام التشريق.
ولرواية سالم عن أبيه عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرخص للمتمتع إذا لم يجد هديًا ولم يصم في العشر أن يصوم أيام التشريق[22]، ثم رجع عن هذا في الجديد، ومنع من صيامها للمتمتع وغيره، وبه قال أبو حنيفة، لأن كل زمان لم يجز صومه تطوعًا لم يجز صومه تمتعًا كيوم الفطر، والأضحى.
صيام أيام التشريق لغير المتمتع: إن أراد غير المتمتع صيامها فله حالان:
أحدهما: أن يصومها تطوعًا من غير سبب تقدم فليس له ذلك لا يختلف.
والثاني: أن يصومها واجبًا عن سبب متقدم كالنذور والكفارات وقضاء رمضان ففي جوازه وجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن المتمتع مخصوص بالرخصة.
والثاني: يجوز لأن في استثناء المتمتع تنبيهًا على ما في معناه من الصوم الذي له سبب كالأوقات التي نهى عن الصلاة فيها، ثم استثني منها ما له سبب.
تابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الأول
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثاني
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثالث
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الرابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الخامس
مختصر الحاوي الكبير – الجزء السادس
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا
——————————————————————————————
