مسألة: إذا ابتلع طعامًا أو شرابًا، أو ما ليس بطعام، ولا شراب كدرهم أو حصاة، أو جوزة أو لوزة، فقد أفطر بهذا كله، ووجب عليه القضاء، إذا كان عامدًا ذاكرًا لصومه. وإن كان ناسيًا، فهو على صومه.
أما إفطاره بهذا فلعموم قوله تعالى: «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ»[1]، والصيام هو الإمساك عن كل شيء.
ولأنه بالإجماع ممنوع من ابتلاعه، وإنما مُنع منه لأنه يفطره؛ ألا ترى الغبار وشم الروائح لما لم يفطره ولم يمنع منه، ولما كان الطعام والشراب يفطره منع منه فكذلك هذا.
مسألة: إذا احتقن بالدواء، فقد أفطر قليلًًا كان ذلك أو كثيرًا.
والدليل: أن كل ما أفسد الصوم كثيره أفسده قليله كالأكل، وأيضًا فهو ذاكر للصوم أوصل إلى جوفه باختياره ما يمكنه الاحتراز منه، فوجب أن يفطر كالأكل والشرب.
مسألة: إذا داوى جرحه بدواء وصل إلى جوفه، وهو ذاكر لصومه، فقد أفطر به رطبًا كان أو يابسًا.
ويدل على هذا أن كل منفذ أفطر بالداخل فيه، إذا كان رطبًا، أفطر به وإن كان يابسًا كالفم، ولأن كل ما وصل من الفم أفطر به فإذا وصل من غيره، أفطر به كالرطب.
مسألة: إذا جرح نفسه مختارًا، أو جرحه غيره باختياره فنفذت الجراحة إلى جوفه، فقد أفطر، ولزمه القضاء. ولو جرح بغير اختياره لم يفطر.
أما إذا أسقط الدهن أو غيره حتى وصل إلى جوفه أو رأسه فلقد أفطر به.
والدليل عليه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للقيط بن صبرة: «إذا استنشقت فأبلغ الوضوء إلا أن تكون صائمًا»[2]، وإنما أمره بالرفق خوفا من الفطر.
حكم المضمضة، والاستنشاق للصائم: من أراد المضمضة، والاستنشاق في صومه، فالأولى له أن يرفق ولا يبالغ لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمر لقيطًا بذلك[3]، فإن تمضمض، واستنشق فوصل الماء إلى رأسه أو جوفه فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكون ناسيًا لصومه، فلا شيء عليه، وهو على صومه كالآكل ناسيًا.
والثاني: أن يكون ذاكرًا لصومه قاصدًا لإيصال الماء إلى جوفه أو رأسه، فهذا يفطر، وعليه القضاء كالآكل عامدًا.
والحال الثالثة: أن يكون ذاكرًا لصومه غير قاصد إلى إيصال الماء إلى جوفه، وإنما سبقه الماء وغلبه فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يكون قد بالغ في الاستنشاق.
والثاني: لم يبالغ، فإن بالغ فقد أفطر، ولزمه القضاء لأن ذلك حادث عن سبب مكروه كالإنزال إذا حدث عن القبلة، فإن لم يبالغ فيه فقولان:
أحدهما: قد أفطر، ولزمه القضاء وبه قال مالك وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء، واختاره المزني ووجهه ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: «هَشَشتُ فقَبَّلتُ وأنا صائِمٌ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صَنَعتُ اليَومَ أمرًا عَظيمًا، فقَبَّلتُ وأنا صائِمٌ. قال: أو رأيتَ لو مَضمَضتَ مِنَ الماءِ وأنتَ صائِمٌ؟ قُلتُ: لا بأسَ. قال: فمَهْ»[4]. فشبه القبلة بالمضمضة، ثم كانت القبلة مع الإنزال تفطر، فكذلك المضمضمة مع الازدراد، ولقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الاستنشاق: «إلا أن تكون صائمًا فترفق»[5] خوفًا من إفطاره بوصول الماء إلى رأسه.
ولأن الأسباب الحادثة عن الأفعال تجري مجرى المباشرة لها في الحكم كالجنابة، يجب القود فيها بالمباشرة، والسراية فكذلك المضمضة، والاستنشاق يجب أن يستوي حكم السبب فيهما.
والقول الثاني: نص عليه في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، أنه على صومه، وبه قال الحسن وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
ووجه هذا القول: هو أنه مغلوب على هذا الفعل فصار بمثابة من أكره على الأكل.
ولأنه واصل إلى جوفه من غير قصده، فوجب أن لا يفطر أصله الذباب إذا طار إلى حلقه.
ولأن الفطر يقع تارة بما يصل إلى الجوف، وتارة بما ينفصل عنه، ثم تقرر أن ما ينفصل عنه بلا اختيار كالقيء والإنزال، لا يفطر، فكذلك ما وصل إليه من المضمضة بالاختيار، وهذان القولان في صوم الفرض، والنفل سواء.
مسألة: اشتباه الشهور على الأسير، وأشكل عليه شهر رمضان، فعليه أن يتحرى فيه ويجتهد ثم يصوم على غالب ظنه كما يجتهد في القبلة، فإذا فعل ذلك ثم أطلق لم تخل حاله من أربعة أقسام:
أحدها: أن يبين له صواب اجتهاده، وموافقته رمضان نفسه، فإذا كان كذلك فقد أجزأه صومه، وهذا قول الفقهاء كافة.
ويدل عليه قوله تعالى: «فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ»[6]، وهذا قد شهد الشهر وصامه.
ولأنه أدى العبادة باجتهاد، فوجب إذا بان له صواب اجتهاده أن يجزيه كما لو اجتهد في القبلة، وصلى وبان له صواب الاجتهاد.
والقسم الثاني: أن يبين له صيام ما بعد رمضان فهذا يجزئه، ولا إعادة عليه إلا فيما لا يصح صيامه من العيدين وأيام التشريق، وإنما أجزأه لأن القضاء قد استقر في ذمته بفوات الشهر، ثم وافق صومه زمان القضاء فكذلك أجزأه.
فإن بان له صيام شوال لم يخل حال الشهرين أعني رمضان وشوال من أربعة أقسام: إما أن يكونا تامين، أو ناقصين، أو يكون شهر رمضان تامًا، وشوال ناقصًا، أو يكون شهر رمضان ناقصًا، وشوال تامًا، فإن كانا تامين: لزمه قضاء يوم الفطر وحده، وكذلك لو كانا ناقصين، فإذا قضاه فقد أدى فرضه، وأجزأه، وإن كان شهر رمضان تامًا وشوال ناقصًا لزمه قضاء يومين، يوم الفطر ويوم النقصان، وإن كان شهر رمضان ناقصًا وشوال تامًا، فقد أجزأه عن فرضه، ولا قضاء عليه لأن يوم الفطر من شوال بدل من اليوم الناقص من رمضان.
ولو بان له أنه صام نصف رمضان ونصف شوال أجزأه إلا يوم الفطر فعليه قضاؤه، ويكون نصف صومه قضاء ونصفه أداء.
والقسم الثالث: أن يبين له صيام ما قبل رمضان فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون شهر رمضان باقيًا لم يفت فعليه إعادة الصوم فيه لا يختلف لقوله تعالى: «فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ».
والضرب الثاني: أن يكون رمضان قد فات ومضى فمذهب الشافعي، وما صرح به في كتبه وجوب الإعادة عليه، وهو قول أكثر الفقهاء.
والقسم الرابع: أن لا يبين له زمان صيامه: هل وافق رمضان أو ما قبله أو ما بعده؟ فهذا يجزيه صومه ولا إعادة، لأن الظاهر من الاجتهاد صحة الأداء، ما لم يعلم يقين الخطأ.
حكم الاكتحال للصائم: يجوز للصائم الاكتحال، وهو غير مكروه، وإن وجد طعمه في حلقه لم يفطر.
ويدل عليه ما روي عن أبي رافع قال: «نزَلَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبرَ ونزَلْتُ معَهُ فدَعَا لِي بِكُحْلِ إِثْمِدٍ فاكتَحَلَ بِهِ فِي رمضانَ وهوَ صائمٌ»[7].
ولأن الفطر يحصل بما وصل إلى الجوف من منفذ، فأما ما وصل إليه من غير منفذ، فلا يحصل به الفطر كما يصل برد الماء إلى الكبد، وباطن الجسد، ثم لا يفطر به لأنه واصل من غير منفذ.
حكم اغتسال الصائم: اغتسال الصائم، ونزوله الماء فجائز، وغير مكروه لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم»[8].
وروي عن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يتماقلان في الماء، وكانا صائمين[9]، وليس لهما في الصحابة مخالف.
حكم الحجامة للصائم: لا تفطر الحجامة الصايم، ولا تكره له وهو قول أكثر الصحابة والفقهاء.
ودليلنا رواية ابن عباس أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «احْتَجَمَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ»[10].
ولرواية أبي سعيد الخدري: «أن النبيَّ رْخَصَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحِجامةِ للصائمِ»[11].
حكم العلك للصائم: هو مكروه وإنما كرهناه، لأمور:
منها: أنه يجمع الريق، ويدعو إلى القيء ويورث العطش، ولا يأمن أن يبتلعه فإن مضغه، ولم يصل منه شيء إلى جوفه فهو على صومه.
على من يجب صوم شهر رمضان؟ صوم شهر رمضان واجب على كل مسلم بالغ عاقل من رجل وامرأة وحر وعبد.
أما الصبي والمجنون، فلا صوم عليهما لارتفاع القلم عنهما وزوال التكليف الذي يسقط أعمال الأبدان.
ويستحب لولي الصبي إذا عقل وميز مثله أن يأخذه بالصيام ليعتاده، ويألفه فإذا صام صح صومه.
والدليل على صحة صومه ما روي عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ r غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ». فَكُنَّا بَعْدَ ذَلِكَ نَصُومُهُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا الصِّغَارَ مِنْهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَنَذْهَبُ إِلَى الْمَسْجِدِ؛ فَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ؛ فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ؛ أَعْطَيْنَاهَا إِيَّاهُ عِنْدَ الإِفْطَارِ «[12].
حكم الكافر إذا أسلم أثناء الشهر: إذا أسلم الكافر في أيام من شهر رمضان، فعليه صيام ما بقي لقوله تعالى: «فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ»[13]، ولا قضاء عليه فيما مضى على قول جميع الفقهاء إلا الحسن وعطاء، فإنهما قالا عليه القضاء فيما مضى، والدلالة عليهما قوله تعالى: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ» [14]، وروي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «الإسلام يجب ما قبله» [15].
فإذا تقرر أنه يستأنف صيام ما بقي، ولا قضاء عليه فيما مضى لم تخل حاله من أحد أمرين: إما أن يكون إسلامه ليلًا أو نهارًا، فإن أسلم ليلًا استأنف الصيام من الغد، وإن أسلم نهارًا فهل عليه قضاء يومه الذي أسلم فيه أم لا؟
على وجهين: أحدهما: وهو مذهب الشافعي، وقد نص عليه في حرملة والبويطي ليس عليه قضاء، لأنه لا يقدر على صيام هذا اليوم مع إسلامه في بعضه فصار كمن أسلم ليلًا.
والوجه الثاني: عليه قضاء يوم مكانه لأن إسلامه في بعض النهار، يوجب عليه صيام ما بقي، ولا يمكنه إفراد ذلك بالصوم إلا بقضاء يوم كامل.
حكم الكافر الصبي إذا بلغ في أثناء الشهر: عليه أن يستأنف صيام ما بقي، ولا يلزمه قضاء ما مضى، فإن كان بلوغه ليلًا، استأنف الصيام من الغد، وإن كان بلوغه نهارًا فله حالان:
أحدهما: أن يكون في يومه ذلك صائمًا.
والثاني: أن يكون مفطرًا.
فإن كان في يومه مفطرًا ففي وجوب قضائه وجهان كالكافر إذا أسلم. أحدهما: عليه القضاء.
والثاني: لا قضاء عليه.
وإن كان صايمًا: فمذهب الشافعي وما عليه جمهور أصحابه أنه يتمم صومه واجبًا، ولا إعادة عليه، ولا يمتنع أن يكون متنفلًا بالصيام في أوله مفترضًا في آخره، كالصائم المتطوع إذا نذر إتمام صومه إن قدم زيد، فإذا قدم زيد لزمه إتمامه، وإن كان متطوعًا في ابتدائه.
[1] سورة البقرة: 187.
[2] مسند الإمام أحمد – مسند المدنيين – حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ – ح (16380 بلفظ: إِذَا اسْتَنْشَقْتَ فَبَالِغْ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا، وبنحوه رواه أبو داود في سننه – كتاب الطهارة – باب في الاستنثار – ح (142)، وابن ماجه في سننه – أبواب الطهارة وسننها – بَابُ الْمُبَالَغَةِ فِي الاسْتِنْشَاقِ وَالِاسْتِنْثَارِ – ح (406).
تابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الأول
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثاني
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثالث
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الرابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الخامس
مختصر الحاوي الكبير – الجزء السادس
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا
——————————————————————————
