الإجابة[1]: تحديد الصيام بداية ونهاية أمر تكفل الشارع به بما لا يدع مجالًا للاجتهاد فيه، يقول الله تعالى: )وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ([2]، فقد حددت الآية بداية الصيام بتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، أما نهايته فبغروب الشمس.
ويصير المرء صائمًا بالإمساك أول طلوع الفجر الذي يتبين لنا، وهذا هو مذهب الشافعية، ومذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد، وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار، ونسبه الطبري في تفسيره للحسن والسُّدّيّ وقتادة وأبي بكر بن عياش. قال ابن المنذر: وإلى هذا القول صار أكثر العلماء [3].
وهذا ما نص عليه فقهاء المذاهب في مصنفاتهم، فمن فقهاء الحنفية: ابن عابدين[4]، وابن نجيم[5]، ومن فقهاء المالكية: الدسوقي[6]والقيرواني[7]، وابن رشد[8]، ومن فقهاء الشافعية: الماوردي[9]،والنووي[10]، ومن فقهاء الحنابلة: ابن قدامة المقدسي[11]، وذكر ابن عبد البر أنه إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش فشذ، ولم يُعرِّج على قوله أحد. والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ على هذا إجماع علماء المسلمين فلا وجه للكلام فيه»[12].
وفسر رسول الله التبين الوارد في الآية، فعن عدي بن حاتم رضي الله عنهقال «لما نزلت: )حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ(؛ قلت: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عِقالين: عقالًا أبيض، وعقالًا أسود أعرف الليل من النهار؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن وسادتك لعريض؛ إنما هو سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ»[13]. فالتبين المراد في الآية ليس هو تبين الرائي للأشياء وتفريقه بين الألوان؛ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وهذا ما جاء في حديث سهل بن سعد رضي الله عنهما إذ يقول: «كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وسلم»[14].
وعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنهقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ وَلاَ بَيَاضُ الأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا». وَحَكَاهُ حَمَّادٌ بِيَدَيْهِ قَالَ: «يَعْنِى مُعْتَرِضًا»، وفي لفظ آخر «أَوْ قَالَ – حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ»[15].
وعن ابن عباس رضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجَرٌ يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ، وَيَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجَرٌ يَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَيَحِلُّ فِيهِ الطَّعَامُ»[16]، وفي رواية للحاكم عن جابر بلفظ: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَأَمَّا الْفَجْرُ الَّذِي يَكُونُ كَذَنَبِ السَّرْحَانِ فَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَا يَحْرُمُ الطَّعَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ، وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ»[17].
وعن حفصة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ»[18]، وجاء عنها بلفظ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يَصُومُ»[19]، وبلفظ: «مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ مَعَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ»[20]، وهذه روايات نص فيها رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى وقت وجوب النية: وهو قبل طلوع الفجر، وهو ما يسبق الإمساك بقليل، وقال القرطبي معقبًا على حديث حفصة إنه دليل على ما قاله الجمهور في الفجر[21].
وعن أبي هريرة رضي الله عنهعن النبي صلى الله عليه وسلمأنه قال: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ»؛ وفي رواية أخرى زَادَ فِيهِا: «وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ إِذَا بَزَغَ الْفَجْرُ»[22].
والأحاديث والآثار في هذا المقام أكثر من أن تستوعبها هذه الفتوى.
وأما الظن أن رسول اللهصلى الله عليه وسلمقد أكل أو شرب بعد الفجر الصادق فلم يصح عنه، وهو مخالف للثابت يقينًا في كتاب الله تعالى، وما استفاض من أقوال وأفعال رسول اللهصلى الله عليه وسلموأصحابه معه ومن بعده رضي الله عنهم، ومَنْ اتبع غيرَ هذا فقد أعرض عن هذه النصوص متابعة لقول شذ فيه الأعمش وخالف الإجماع، فقد ذكر ابن عبد البر أنه إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش فشذ، ولم يعرّج على قوله أحد. والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس؛ على هذا إجماع علماء المسلمين فلا وجه للكلام فيه[24].
[1]وللتوسع في المسألة راجع بحثنا: رمضان في فقه الأقليات المسلمة.
[12]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد – ابن عبد البر – 10/62، وذكر مثله ابن قدامة في المغني – 4/325.
[13]صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب قول الله تعالى)وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل( – ح (1817)، وصحيح مسلم واللفظ له – كتاب الصيام – باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك – ح (1090).
[14]صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب وقت الفجر – ح (552).
[15]صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك – ح (1094).
[16]صحيح ابن خزيمة – كتاب الصلاة – باب ذكر بيان الفجر الذي يجوز صلاة الصبح بعد طلوعه، إذ الفجر هن فجران، طلوع أحدهما بالليل، وطلوع الثاني يكون بطلوع النهار – ح (356)، وسنن البيهقي الكبرى – جماع أبواب المواقيت – باب الفجر فجران ودخول وقت الصبح بطلوع الآخر منهما – ح (1644).
[17]المستدرك على الصحيحين – الحاكم النيسابوري – كتاب الصلاة – باب في مواقيت الصلاة – ح (691).
[18]سنن النسائي – كتاب الصيام – النية في الصيام والاختلاف على طلحة بن يحيى بن طلحة في خبر عائشة فيه، ثم أورد بابًا تحته وقال: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك – ح (2331).
[19]سنن النسائي – الموضع السابق، وصحيح ابن خزيمة – كتاب الصيام – باب إيجاب الإجماع على الصوم الواجب قبل طلوع الفجر بلفظ عام، مراده خاص – ح (1933)،
[20]المسند – الإمام أحمد بن حنبل – مسند النساء – حديث حفصة أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما – ح (26457).