سنة التغيير
التغير والتغيير سنة من سنن الله تعالى في الكون، وفي خلقه من البشر، وقد جاءت الآيات في كتاب الله العزيز تدل على أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
فالأصل أن التغيير الحقيقي يبدأ من داخل الإنسان لا من خارجه.
يقول الله تعالى: «إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ»[1].
وهذه الآية تؤكد أن الله لا يغير حال قوم إلى حال آخر إلا إذا تغير هؤلاء بقلوبهم وجوارحهم.
والتغيير يحتاج إلى إرادة وعزيمة من الأفراد، إذ لا يمكن أن يتغير الواقع الخارجي دون أن يتغير ما في النفوس.
ويقول الله تعالى: «ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ»[2].
فالنعم لا تدوم إلا بتغيير السلوك والأخلاق. فالأمم التي تعيش في حالة من الاستسلام أو الفساد لا يمكن أن تتوقع أن تستمر في تلقي النعم من الله.
ويقول سبحانه وتعالى: «ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ»[3]، وهذا التغير ليس قاصرًا على الأفراد، أو على الجماعات والأمم، بل يعم الجميع، وقد يكون التغير الفردي طريقًا إلى التغير الجماعي، وقد يكون العكس فتغير الجماعة يشجع الأفراد الذين لم يتغيروا إلى أن يكونوا كذلك، لما رأوا من الخير والفلاح في التغير.
لذا لا حجة لأحد ولو انتشر الفساد وعم الخراب الأخلاقي أو الاجتماعي، يقول تعالى: «فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ»[4]، ويقول سبحانه وتعالى عن خليله: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً»[5]، ويقول ابن مسعود رضي الله عنه: «الجماعة ما وافق الحق، وَلَوْ كنتَ وَحدَكَ».
كيف يمكن لنا أن نتغير؟
مما يعيننا على التغير المنشود أن تكون لنا نقطة تحول: أي مناسبة أو حدث يمكن أن يكون حافزًا لنا في هذا التغيير.
الفرص واستغلالها الصحيح
تُعَدُّ الفرصُ من أعظمِ النِّعَمِ التي يمنحها اللهُ للإنسان في حياته، فهي مفاتيحُ النجاح، ووسائلُ التقدُّم، وسبلُ تحقيقِ الطموحات.
ولا تتكرَّر الفرصُ كثيرًا، وقد تمرُّ بالإنسان مرورَ السحاب دون أن يشعر بقيمتها، فيندمُ حين لا ينفع الندم. لذلك كان من الواجب على الإنسان أن يُحسنَ استغلالَ الفرص، ويستثمرَها الاستثمارَ الصحيح.
وتأتي الفرصُ في أشكالٍ متعدِّدة، فقد تكون فرصةً في التعلُّم، أو العمل، أو تطويرِ المهارات، أو إصلاحِ العلاقات، أو التقربِ إلى الله بالأعمال الصالحة.
وكلُّ مرحلةٍ من مراحل الحياة تحمل في طيّاتها فرصًا ثمينةً لا تُقدَّر بثمن، غير أن العاقل الفطن من يُدركها في وقتها، ويُحسنُ التعامل معها بحكمةٍ وتخطيط.
ومن أهمِّ أسبابِ النجاح في استغلال الفرص سرعةُ المبادرة، وعدمُ التردُّد؛ فالتأجيلُ والتسويفُ من أكبرِ أعداءِ
وإهمالُ الفرص أو سوءُ استغلالها قد يؤدي إلى الفشل والندم وضياع المستقبل.
ومما يجب على الإنسان أني لوم عليه نفسه أن تتوفر له الفرصة تلو الفرصة ولا ينتفع بها.
كــلمــا نــاديــتــنــي هـيـا بـنـا قــلت هـيـا وأنـا فـي مـوضـعـي
فمن العجيب أننا تتكرر علينا المناسبات والأحداث التي تغير ولكنا لا نتغير، ومن أهم هذه المناسبات شهر رمضان.
ويُعَدُّ شهرُ رمضانَ المباركُ من أعظمِ النِّعَمِ التي أنعمَ اللهُ بها على عباده، فهو شهرُ الرحمةِ والمغفرةِ والعتقِ من النار، وفرصةٌ ثمينةٌ لإحداثِ تغييرٍ حقيقيٍّ في حياتنا على المستويات الإيمانية، والأخلاقية، والسلوكية.
ففي هذا الشهر الكريم، تتجددُ النفوس، وتصفو القلوب، ويُقبِلُ المسلم على ربِّه بقلبٍ خاشعٍ وعزمٍ صادق.
ومن أعظمِ مظاهرِ فضلِ رمضانَ تقييدُ الشياطين، حيث تُغلُّ وتُصفَّد، فيضعفُ تأثيرُها على الإنسان، ويصبحُ أكثرَ قدرةً على مقاومةِ المعاصي والشهوات. فيجدُ المسلمُ نفسَه ميّالًا إلى الطاعة، مبتعدًا عن الخطأ، مستثمرًا هذه الفرصة في تقويم سلوكه وتصحيح مساره.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ»[6].
كما أن الامتناعَ عن الطعامِ والشرابِ من الفجر إلى المغرب يُعلِّمُ الإنسانَ الصبرَ وضبطَ النفس، ويُعوِّده على التحمُّل والانضباط، ويُشعره بنعمةِ الله عليه، وبمعاناةِ الفقراء والمحتاجين. فينشأُ في قلبه الإحساسُ بالرحمة والتكافل، ويبتعد عن الإسراف والتبذير، فيتغيَّر أسلوبُ حياته نحو الأفضل.
ويتميَّز شهرُ رمضانَ بجوٍّ إيمانيٍّ خاص، تسوده الطاعةُ والعبادة، حيث تمتلئُ المساجدُ بالمصلين، وتُتلى آياتُ القرآن، وتُقامُ الصلواتُ والتراويح، ويجتهدُ الناسُ في الذكر والدعاء. هذا الجوُّ الروحانيُّ يُعينُ المسلمَ على الثباتِ والاستمرار في الطاعة، ويُقوِّي صلتَه بالله تعالى، فينعكسُ ذلك على سلوكه وأخلاقه بعد انتهاء الشهر.
ومن توفيق الله للمسلم أن ينتفع من الأوقات والأزمان التي فضلها الله عز وجل على غيرها واختصها بما ليس في غيرها، قال قتادة في تفسير قول الله تعالى (فلا تظلموا فيهن أنفسكم)[7]: فإن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما شاء وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه: اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل[8].
ومن فضلِ الله في رمضانَ مضاعفةُ الحسنات، حيث يُجزى المسلمُ على أعماله أجرًا عظيمًا، فيحرصُ على الإكثار من الصدقات، وصلة الأرحام، ومساعدة المحتاجين، والأعمال الصالحة. فيتربَّى على حبِّ الخير، والسعي لنفع الآخرين، فيتحول ذلك إلى عادةٍ دائمةٍ في حياته.
وتبلغُ بركاتُ رمضانَ ذروتَها في العشرِ الأواخر، التي تضمُّ ليلةَ القدر، وهي خيرٌ من ألف شهر. فيجتهدُ المسلمُ فيها بالطاعة والقيام والدعاء، طمعًا في رضا الله ومغفرته. وتكونُ هذه الليالي فرصةً عظيمةً لمراجعة النفس، وتجديد التوبة، وبداية صفحةٍ جديدةٍ مليئةٍ بالإيمان والعمل الصالح.
وفي الختام، فإن شهرَ رمضانَ ليس مجردَ امتناعٍ عن الطعامِ والشراب، بل هو مدرسةٌ تربويةٌ متكاملةٌ تُعلِّمُ الإنسانَ الصبرَ، والإخلاصَ، وحسنَ الخلق، وتُسهمُ في بناء شخصيةٍ قويةٍ متوازنة. فإذا أحسنَّا استثمارَ هذا الشهر الفضيل، خرجنا منه وقد تغيَّرت حياتُنا إلى الأفضل، وازددنا قربًا من الله، واستعدادًا لمواصلة طريق الخير طوال العام.
————————————————————————
[1] سورة الرعد:11.
[2] سورة الأنفال:53.
[3] سورة الروم:41.
[4] سورة التغابن:16.
[5] سورة النحل:120.
[6] سنن ابن ماجه – أبواب الصيام – بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ – ح (1642)، سنن الترمذي – أبواب الصوم – بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ – ح (682).
[7] سورة التوبة: 36.
[8] تفسير الطبري – 11/444.
