رمضان نقطة تحول في حياة المسلم – 3 (أهمية الثقة بالنفس في تحقيق التحوّل واستثمار الفرص)

تجاوز العقبة النفسية (الثقة بالنفس)

الثقةُ بالنفس ليست ترفًا نفسيًّا، ولا شعارًا عابرًا، ولا أمرًا مدعى، ولكنها قوّةٌ داخليةٌ تصنع الفارق بين إنسانٍ يعيش بلا إرادة، أو بلا رغبة في التغير، فهو يرضى بالدنية من الدنيا، وبهجران الطاعة وفعل المعصية مدعيًا ضعف النفس أو غلبة المؤثرات، وبين آخر يرى أنه يمكنه إعادة تشكيل واقعه، وتغيير حاله، والارتقاء بنفسه، فإن كان على صواب رأى أنه يمكن أن يكون أفضل من هذا، وإن لم يكن يرى أنه يمكنه تجاوز العقبات والصمود أمام المغريات والعودة إلى جادة الصواب.

فالثقة بالنفس سرٌّ من أسرار النجاح، وأحد أهمّ عوامل التفوّق والتميّز وتحقيق الأهداف وبلوغ أعلى الدرجات.

والتحوّل الحقيقي في حياة الإنسان لا يبدأ من الخارج، بل من يقينٍ داخليٍّ بأنّه قادرٌ – بعون الله – على التغيير والتقدّم.

والإنسان الذي يفتقد هذه الثقة يعيش في دائرةٍ من التردّد والخوف؛ لا يملك هدفًا واضحًا، ولا يجرؤ على اتخاذ قرارٍ يرفع من شأنه وشأن أسرته ومجتمعه، يخشى الفشل والمجهول، فيؤثر السلامة على المبادرة، والانسحاب على المواجهة، فيترك الحياة تخطّط له بدل أن يخطّط لها. ومع مرور الوقت، تتحوّل الفرص أمامه إلى محطّاتٍ عابرة لا يملك شجاعة اقتناصها، فيزداد شعوره بالعجز وتضعف إرادته.

أمّا الواثق بنفسه، فهو مؤمنٌ بالله قبل كلّ شيء، يدرك أنّ الله أودع فيه طاقاتٍ عظيمة، وأنّ عليه أن يسعى ليُفعّلها. ثقته ليست غرورًا، بل وعيٌ بإمكاناته، ومعرفةٌ بهويّته، ورؤيةٌ واضحة للشخص الذي يريد أن يكونه في المستقبل.

هو يعرف أنّ قدراته ليست محدودة إذا ما أحسن توجيهها، وأنّ الفشل أو المعصية أو الانحراف أو التقصير ليس نهاية الطريق، بل يأخذ منها العبرة والدافع لأن يتغير، ورب معصية كانت أنفع للإنسان من الطاعة، فقد تورث الطاعة فيه غرورًا، وقد تنشأ المعصية في نفسه انكسارًا ومن ثم تصحيحًا واستقامة.

والتحوّل لا يتحقّق بالقفزات المفاجئة، بل ببناءٍ تدريجيٍّ يقوم على ركيزتين: وضوح الرؤية، وقوّة الإيمان.

فمن أدرك خطأه وقويت عقيدته، وجدت عنده الإرادة المحفزة، فبدأ يغيّر عاداته وأفكاره، وشيئًا فشيئًا تتبدّل حياته. والثقة بالنفس تمنح صاحبها شجاعة الخروج من منطقة الراحة، وتحمّل المخاطر المحسوبة، واستثمار الفرص التي قد يراها غيره صعبةً أو مستحيلة.

ومن أعظم الفرص التي يمنحها الله لعباده فرصةُ المواسم الإيمانية، وعلى رأسها شهر رمضان، ولا سيّما العشر الأواخر منه. إنّ رمضان ليس مجرّد امتناعٍ عن الطعام والشراب، بل مدرسةٌ لإعادة بناء الذات، ومختبرٌ حقيقيٌّ لقوّة الإرادة والانضباط. حين ينجح الإنسان في ضبط شهواته نهارًا، والقيام بين يدي ربّه ليلًا، فإنّه يثبت لنفسه قبل غيره أنّه قادرٌ على التغيير، وقادرٌ على الانتصار على ضعفه.

وفي العشر الأواخر تتضاعف الفرصة؛ ففيها ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهر، وفيها يشتدّ الاجتهاد ويصفو القلب وتعلو الهمّة. هنا تتجلّى العلاقة بين الثقة بالنفس والإيمان: فالمؤمن الواثق بربّه وبنفسه لا يضيّع هذه الأيام، بل يستثمرها في مراجعة مساره، وتصحيح نيّته، ووضع خطّةٍ جديدةٍ لحياته بعد رمضان. يجعل من هذه الليالي نقطةَ تحوّلٍ حقيقية، يعاهد فيها نفسه على ترك عادةٍ سيئة، أو البدء بمشروعٍ نافع، أو إصلاح علاقةٍ متعثّرة.

والثقة بالنفس في هذا السياق تعني أن يؤمن الإنسان بأنّه يستطيع أن يكون أفضل ممّا كان، وأنّ أبواب الرحمة مفتوحة، وأنّ التوبة الصادقة قادرةٌ على طيّ صفحات الماضي.

فمن دخل رمضان بعقليةٍ واثقةٍ ساعيةٍ للتغيير، خرج منه إنسانًا مختلفًا؛ أكثر انضباطًا، وأقوى إرادةً، وأوضح رؤيةً. وهكذا يتحوّل الموسم الديني إلى نقطة انطلاقٍ لموسمٍ جديدٍ في الحياة كلّها.

إنّ بناء الثقة بالنفس يحتاج إلى عملٍ دائم: معرفة نقاط القوّة وتنميتها، الاعتراف بنقاط الضعف ومعالجتها، مصاحبة المستقيمين، تعلّم طرق ووسائل معينة، وعدم الاستسلام للرغبات المنحرفة أو الوسوسات المخذلة. كما يحتاج إلى تجديد الصلة بالله، لأنّ الإيمان يمنح القلب طمأنينةً، ويزرع في النفس يقينًا بأنّ السعي لا يضيع، وأنّ من توكّل على الله كفاه.

في النهاية، الثقة بالنفس ليست شعارًا يُردَّد، بل قرارٌ يُتَّخذ، وسلوكٌ يُمارَس، ومواقفُ تُثبت صدقه. من امتلكها استطاع أن يحوّل التحدّيات إلى فرص، والمواسم إلى محطّات انطلاق، ورمضان إلى بدايةٍ جديدةٍ لا نهايةٍ عابرة. وبقدر ما يؤمن الإنسان بنفسه وبربّه، يكون نصيبه من التحوّل والنجاح، ويصنع لنفسه مكانًا بين أهل الهمم العالية والآفاق الواسعة.

إذا ما طمحت إلى غاية ….           رَكِبتُ المنى ونَسيتُ الحَذرْ

ولم أتجنَّبْ وُعورَ الشِّعابِ             ولا كُبَّةَ اللَّهَبِ المُستَعِرْ

ومن لا يحبُّ صُعودَ الجبالِ          يَعِشْ أبَدَ الدَّهرِ بَيْنَ الحُفَرْ[1]

—————————–

[1] أبو القاسم الشابي.

 

مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed