الحديث الثاني: أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ

عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ؛ فَقَالَ: ((الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الصِّيَامِ، فَقَالَ: ((شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا))، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ الزَّكَاةِ، فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ أَوْ دَخَلَ الْجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ))[1].

يُعَدُّ هذا الحديثُ الشَّريفُ من الأحاديثِ العظيمةِ الَّتي تظهر لنا هذا الجانب العظيم من تشريعات الإسلام، ألا وهو الجمع بين وضوح التكاليف ويسرها.

فالتكاليف ليست غامضة يجد الناس صعوبة في إدراكها وإدراك مراد الشارع منا، وهي في الوقت ذاته سهلة يسيرة على من أراد الأداء مخلصًا من قلبه.

والحديث يدل على عدد من الأمور، منها: حال هذا الرجل الذي يدل السياق أنه أتى من مكان بعيد، وأنه ليس من الصحابة المقربين، وليس من سكان المدينة، بل أتى من نجد من مسيرة قد تصل إلى عدة أيام، وقد أتى حريصًا على العلم، ولم يكتف ويرض بجهله؛ بل سعى لرفعه.

ويدل أيضًا: على أدب الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه كذلك، فقد جاء في بعض الروايات «ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول»، فلم ينكر عليه شيء من ذلك، بل أجابه رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما سأل عنه، أي أن المفتي والمسؤول لا ينبغي له النظر إلى السائل وحاله الظاهر، بل يجيبه ولو أنكر شيئًا من مظهره؛ لأنه قد يكون معذورًا في هذا.

ويدل الحديث أيضًا على الإجابة بما يتناسب مع السائل وحاله، فلم يكثر عليه النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم، وإنما بين له بيانًا جامعًا لأركانِ الإسلامِ العمليَّةِ في كل سؤال سأله: الصَّلواتُ الخمسُ، وصيامُ شهرِ رمضانَ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، من غيرِ زيادةٍ في الإلزامِ على ما فرضَ اللهُ تعالى، إلَّا أن يتطوَّعَ العبدُ بشيءٍ من النَّوافلِ.

ويدل الحديث على نجاة وفلاح وفوز من قام بالفرائض من غير زيادة عليها ولا نقصان منها.

ويدل على أن لهذه الفرائض أثر كبير في فلاح المسلم دنيويًا وأخرويًا، فهي تزكي، وتطهر، وتبعد عن الفحشاء والمنكر والبغي، وتحقق الإخوة والمحبة بين المسلمين.

وهذه الفرائضُ تمثِّلُ الحدَّ الأدنى الواجبَ على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ مستطيع؛ فمن تطوع بعد ذلك فهو خير له.

والحديثُ لا يَحُطُّ من شأنِ النَّوافلِ، بل يُفهمُ منه أنَّها بابُ زيادةِ الخيرِ ورفعةِ الدَّرجاتِ، غيرَ أنَّ النجاةَ لا تتوقَّفُ عليها إذا أُدِّيَتِ الفرائضُ حقَّ أدائِها. ففيه تيسيرٌ على الأمَّةِ، وإزالةٌ للوهمِ بأنَّ الدِّينَ قائمٌ على المشقَّةِ الخارجةِ عن الطَّاقةِ.

وخِتامًا، يُعلِّمُنا هذا الحديثُ أنَّ طريقَ الجنَّةِ واضحٌ لا لَبْسَ فيهِ: أداءُ الفرائضِ بإخلاصٍ، واجتنابُ التَّقصيرِ فيها، مع صِدقِ النيَّةِ والثَّباتِ على الطَّاعةِ. فمن حافظَ على ما فرضَ اللهُ عليهِ، صادقًا في ذلك، فقد وُعِدَ بالفلاحِ ودخولِ الجنَّةِ، وذلك هو الفوزُ العظيمُ.

[1] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب وجوب صوم رمضان – ح (1792).

مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed