إنشاء السفر في رمضان للاستفادة من رخصة الفطر أو تقليل عدد ساعات الصيام

يعاني المسلمون المقيمون في الغرب من طول ساعات النهار في فصل الصيف، وهو ما يجعل الصيام شاقًّا على كثير منهم؛ لذا يلجأ بعض المسلمين إلى البحث عن حلول لتجاوز هذه الإشكالية، ومن ذلك ما يفعله بعضهم من إنشاء السفر في شهر رمضان إلى بلدٍ آخر؛ إما للاستفادة من رخصة الإفطار للمسافر – لا سيما إذا وقعت العطل الصيفية أثناء الشهر الكريم، ثم قضاء الصيام بعد ذلك في ظروف أو أوقات أخرى، وإما السفر إلى بلد تقل فيه ساعات الصيام عن البلد الذي يقيمون فيه؛ فهل يجوز هذان الأمران؟ أم يعدان من باب الحيل الممنوعة التي يُقصد بها التحايل على الحكم الشرعي؟؟

وقبل الخوض في معالجة هذه المسألة يحسن التنبيه على جملة من الأمور:

أولًا: صيام رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة، وقد فرضه الله تعالى تزكية للنفوس، وخص هذه العبادة بشهر رمضان لما له من فضائل دون سائر الشهور، لذا ينبغي علي المسلم أن يحرص على أدائه فيه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا.

ثانيًا: لا يجوز لمسلم أن يُحرِّمَ شيئًا لم يحرمه الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه وتعالى: «وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ»[1].

ثالثًا: لا يجوز التحايل لإسقاط فرض من الفرائض، ولا لإباحة ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

رابعًا: الرخص المشروعة أنواع؛ فمنها ما يُسقط الحكمَ كليًا؛ كإباحة الطعام أو الشراب المحرم عند خوف الهلاك، ومنها ما يُخفف العبادة كقصر الصلاة للمسافر، ومنها ما يبدلها كالتيمم عند فقد الماء أو العجز عن استعماله، ومنها ما يغير وقتها كالإفطار في رمضان للمعذور مع القضاء بعد انقضاء الشهر.

خامسًا: يجوز الإفطار لمن تلحقه مشقة غير محتملة بسبب طول النهار أو شدة الصيام، ولا يستطيع إكمال اليوم إلا بجهد خارج عن المعتاد[2].

أما عن المسألة محل البحث فقد تناولها عدد من العلماء المعاصرين، وذهب أكثرهم إلى أنَّ من أنشأ السفر بقصد الإفطار حرم عليه السفر، وحرم عليه الفطر، وعدوا ذلك من الحيل الممنوعة[3].

والذي يظهر – والله أعلم – أن هذه الصورة لا تدخل في باب الحيل المحرّمة؛ إذ الحيل الممنوعة هي التي يُقصد بها إسقاط الحكم الشرعي أو إبطاله، كمن يخرج بعض ماله قبل تمام الحول تهربًا من الزكاة، أو من يحتال لإسقاط وجوب الحج عنه، أو من يمتنع عن الطعام ليحتج بشرب الخمر خوفًا من الهلاك، ونحو ذلك.

ومن المناسب هنا بيان حقيقة الحيل المحرّمة التي أُدرجت هذه المسألة ضمنها عند من منع السفر والفطر؛ فقد عرَّف الشاطبي الحيل بأنها: «تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر»[4].

وعرَّفها ابن حجر العسقلاني بأنها: «ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي»[5].

وأكثر ما يذكره العلماء في باب الحيل إنما هو ما يؤدي إلى تفويت واجب أو ارتكاب محرّم، وكلا الأمرين غير متحقق هنا؛ إذ إن المسلم يسافر سفرًا مشروعًا في نهار رمضان، ويفطر أثناء السفر أخذًا برخصة ثابتة، ثم يصوم بعد ذلك صيامًا مشروعًا عند إقامته، أو يصوم في بلد تقل فيه ساعات النهار، دون إسقاط لفرض الصيام.

وعليه، فلا يصح إدراج هذه الصورة ضمن الحيل المحرّمة؛ لأن الوسيلة – وهي السفر – مشروعة في أصلها، والحكم الشرعي – وهو الصيام – باقٍ لم يُسقط، وإنما غاية ما في الأمر تخفيف المشقة.

ويؤيد هذا القول ما يأتي:

  • (1) ثبوت نصوص شرعية تدل على الانتقال من الحكم الأشد إلى الأخف مراعاةً لحال المكلّف، كما في قصة أيوب عليه السلام[6]، وكما في حديث الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان، ولم يكن عنده ما يكفر به؛ فانتقل الحكم من الصيام إلى الإطعام إلى إسقاط الكفارة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «هَلَكْتُ»، فقال: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالَ «وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ»، قَالَ: «تَجِدُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: «لَا»، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: «لَا» قَالَ: «فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا»، قَالَ «لَا»، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِعَرَقٍ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فِيهِ تَمْرٌ فَقَالَ: «اذْهَبْ بِهَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، قَالَ «عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا»، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ»[7].

  • (2) أن التخفيف عن ذوي الأعذار، ومراعاة المشقة غير المحتملة، أصل مقرر في الشريعة الإسلامية، وهؤلاء قوم قد لا يستطيعون الصيام لطول النهار، أو شدة الحر، ولهم فسحة في أن يرتبوا أمر عطلهم السنوية لتقع في الشهر الكريم رغبة في التخفيف، وقضاء لمصالح هم يسعون إليها في عطلهم السنوية.

  • (3) أن الأصل في الأشياء الإباحة، والسفر من جملة المباحات، فمن نقله من الإباحة إلى غيرها طولب بالدليل.

  • (4) أنَّ منشأ الخلاف في المسألة هو ترددها بين أن تعد من الحيل الممنوعة لأنها تؤدي إلى إسقاط الفرض، أو من الحيل الجائزة التي ليس فيها إسقاط، بل تؤدي إلى تخفيف يتناسب مع حالة المسلم؛ «فمن الحيل أيضًا ما تتعارض فيه الأدلة ظاهرًا، ولا تتضح فيها مقاصد الشارع؛ ومن ثم يختلف العلماء، فيلحقها بعضهم بالقسم الجائز، ويلحقها الآخرون بالقسم المحظور، كلٌ بحسب ما ظهر له واطمأن إليه»[8].

وفي النهاية أقول: إنه لا يليق بالمسلم أن يكون دأبه البحث عن التخفيف دائمًا في كل حال، سواء خفت المشقة أم عظمت، فالنفس تحتاج إلى أخذها بالشدة أحيانًا لتربيتها وتهيئتها لما يمكن أن يعترضها من عوارض قد يحتاج فيها إلى تحمل المشاق والصعاب، وقد جاء في الحديث عَنْ خَبَّابٍ رضي الله عنه قَالَ «شَكَونا إلى رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حرَّ الرَّمضاءِ فلم يُشْكِنا»[9]، أي لم يزل الشكوى.

فالتوسع في طلب الرخص بلا حاجة يورث ضعفَ العزائم، والتعودَ على اليسير من الأمور دون الشاق منها، وعندئذ يصعب على المرء المسلم أداء تكاليف؛ ويرى فيها نوعًا من المشقة التي لا يتحملها، وهي في حقيقتها محتملة بمقياس الشرع، ولكن ضعفت النفس، أو تعودت على اليسر والسهولة؛ فشق عليها ما لم يشق على غيرها.

قال المتنبي:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي العَزائِم                                     وَتَأتي عَلى قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وَتَعظُمُ في عَينِ الصَغيرِ صِغارُها                                  وَتَصغُرُ في عَينِ العَظيمِ العَظائِمُ

وقال البوصيري:

والنفسُ كالطفلِ إن تهملهُ شَبَّ على                            حُبِّ الرَّضاعِ وإنْ تَفْطِمْهُ يَنْفَطِم

والشرع وإن كان فيه من التيسير على الناس حين المشقات، والتخفيف عنهم، إلا أنه ما كان يهمل الجانب الآخر، فقد جاء الأمر بالأخذ بقوة، كما مُدح العزم وأولو العزم[10].

نعم لا يبحث المرء عن المشقة ولا يتعمدها؛ لكنه يتحمل المستطاع منها فإن خرجت عن المعتاد وعما لا يمكنه تحمله، جازت له الرخصة، وهي في هذا المقام الإفطار ولو كان مقيمًا صحيحًا.

[1] سورة النحل: 116.

[2] راجع بحث «مشقة صيام رمضان في الغرب صيفًا وأثرها في التخفيف» – أبوعبيدة علي.

[3] انظر مثلًا: موقع الشبكة الإسلامية – فتوى تحت عنوان: حكم إنشاء سفر لاستباحة الإفطار، وموقع الإسلام سؤال وجواب – فتوى تحت عنوان: السفر من أجل الفطر – للشيخ محمد بن عثيمين، ودار الإفتاء الأردنية – فتوى تحت عنوان: من سافر لأجل الترخص بالفطر والقصر فلا يحل له.

—————————

[4] الموافقات في أصول الفقه – الشاطبي – 5/187.

[5] فتح الباري شرح صحيح البخاري – ابن حجر العسقلاني – 12/326.

[6] سورة ص آية: 44.

[7] صحيح البخاري – كتاب الهبة وفضلها – باب إذا وهب هبة فقبضها الآخر ولم يقل قبلت – ح 2460.

[8] الحيل في الشريعة الإسلامية د. صالح سالم النهام – مجلة الوعي الإسلامي – عدد 559 – 39.

[9] صحيح مسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر ح 619.

[10] قضايا حركية في ضوء أصول الفقه: الحركة الإسلامية بين العزائم والرخص أبو عبيدة علي أحمد مجلة الرائد عدد 181.

مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed