أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (5)

كفارة الجماع
الكفارة عتق رقبة، فإن لم يمكنه فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، والمشهور من مذهب أبي عبد الله، أن كفارة الوطء في رمضان ككفارة الظهار في الترتيب، يلزمه العتق إن أمكنه، فإن عجز عنه انتقل إلى الصيام، فإن عجز انتقل إلى إطعام ستين مسكينا. وهذا قول جمهور العلماء. وبه يقول الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأصحاب الرأي.
والدليل على وجوب الترتيب فالحديث الصحيح، رواه معمر، ويونس، والأوزاعي، والليث، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، وعراك بن مالك، وإسماعيل بن أمية، ومحمد بن أبي عتيق، وغيرهم، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للواقع على أهله: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ قال: لا[1]. وذكر سائر الحديث، وهذا لفظ الترتيب.
مسألة: إذا عدم الرقبة، انتقل إلى صيام شهرين متتابعين، ولا نعلم خلافًا في دخول الصيام في كفارة الوطء، إلا شذوذًا لا يعرج عليه، لمخالفة السنة الثابتة.
ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان، للخبر أيضا.
مسألة: إن لم يشرع في الصيام حتى وجد الرقبة لزمه العتق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل المواقع عما يقدر عليه، حين أخبره بالعتق، ولم يسأله عما كان يقدر عليه حالة المواقعة، وهي حالة الوجوب، ولأنه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل، فلزمه، كما لو كان واجدا له حال الوجوب.
مسألة: إن شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق، ثم قدر عليه، لم يلزمه الخروج إليه، إلا أن يشاء العتق فيجزئه، ويكون قد فعل الأولى.
وحجتنا أنه شرع في الكفارة الواجبة عليه، فأجزأته، كما لو استمر العجز إلى فراغها.
إن لم يستطع الصوم
إن لم يستطع الصوم فعليه إطعام ستين مسكينًا، ولا نعلم خلافًا بين أهل العلم في دخول الإطعام في كفارة الوطء في رمضان في الجملة، وهو مذكور في الخبر، والواجب فيه إطعام ستين مسكينًا، في قول عامتهم، وهو في الخبر أيضًا، ولأنه إطعام في كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكان إطعام ستين مسكينًا ككفارة الظهار.
قدر ما يطعم كل مسكين، ذهب أحمد إلى أن لكل مسكين مد بر، وذلك خمسة عشر صاعًا أو نصف صاع من تمر، أو شعير، فيكون الجميع ثلاثين صاعًا.
لأن فدية الأذى نصف صاع من التمر والشعير، بلا خلاف، فكذا هذا.
والمد من البر يقوم مقام نصف صاع من غيره، ولأن الإجزاء بمد منه قول ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وزيد ولا مخالف لهم في الصحابة.
حكم الإخراج من الدقيق أو السويق إن أخرج من الدقيق أو السويق أجزأ؛ لما ذكرناه فيما تقدم.
مسألة: إن أفرد لكل مسكين قدر الواجب له، فأطعمه إياه، نظرت؛ فإن قال: هذا لك تتصرف فيه كيف شئت.
أجزأه؛ لأنه قد ملكه إياه. وإن لم يقل له شيئًا، احتمل أن يجزئه؛ لأنه قد أطعمه ما يجب له، فأشبه ما لو ملكه، واحتمل أن لا يجزئه؛ لأنه لم يملكه إياه.
والرواية الثانية، يجزئه أن يجمع ستين مسكينًا فيطعمهم.
قال أبو داود: سمعت أحمد يسأل عن امرأة أفطرت رمضان، ثم أدركها رمضان آخر، ثم ماتت. قال: كم أفطرت؟ قال: ثلاثين يومًا.
قال: فاجمع ثلاثين مسكينًا، وأطعمهم مرة واحدة، وأشبعهم. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمجامع: أطعم ستين مسكينًا[2]. وهذا قد أطعمهم، وقال الله تعالى: «فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا»[3]
وقال في كفارة اليمين: «إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ»[4]وهذا قد أطعمهم.
وروي عن أنس، أنه أفطر في رمضان، فجمع المساكين، ووضع جفانا فأطعمهم.
ولأنه أطعم ستين مسكينًا فأجزأه، كما لو ملكه إياه.
فعلى هذه الرواية، إن أطعمهم قدر الواجب لهم أجزأه، وإن أطعمهم دون ذلك فأشبعهم، فظاهر كلام أحمد أنه يجزئه؛ لأنه قد أطعمهم. ويحتمل أن لا يجزئه؛ لأنه لم يطعمهم ما وجب لهم.
ما يجزئ في الكفارة
يجزئ في الكفارة ما يجزئ في الفطرة، من البر والشعير ودقيقهما، والتمر والزبيب، وفي الأقط وجهان، وفي الخبز روايتان، وكذلك يخرج في السويق فإن كان قوته غير ذلك من الحبوب، كالدخن، والذرة، والأرز، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجزئ. ذكره القاضي؛ لأنه لا يجزئ في الفطرة.
والثاني: يجزئ. اختاره أبو الخطاب؛ لقول الله تعالى: «مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ»[5]ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإطعام مطلقا، ولم يرد تقييده بشيء من الأجناس، فوجب إبقاؤه على إطلاقه، ولأنه أطعم المسكين من طعامه، فأجزأه، كما لو كان طعامه برا فأطعمه منه، وهذا أظهر.
مسألة: إن عجز عن العتق والصيام والإطعام، سقطت الكفارة عنه، في إحدى الروايتين، بدليل أن الأعرابي لما دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم التمر، وأخبره بحاجته إليه، قال: أطعمه أهلك[6].ولم يأمره بكفارة أخرى. وهذا قول الأوزاعي.
وقال الزهري: لا بد من التكفير، وهذا خاص لذلك الأعرابي، لا يتعداه، بدليل أنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بإعساره قبل أن يدفع إليه العرق، ولم يسقطها عنه، ولأنها كفارة واجبة، فلم تسقط بالعجز عنها، كسائر الكفارات. وهذا رواية ثانية عن أحمد. وحجتنا الحديث المذكور.
مسألة: إن جامع، فلم يكفر حتى جامع ثانية، إذا جامع ثانيا قبل التكفير عن الأول، لم يخل من أن يكون في يوم واحد، أو في يومين.
فإن كان في يوم واحد، فكفارة واحدة تجزئه، بغير خلاف بين أهل العلم.
وإن كان في يومين من رمضان، ففيه وجهان؛ أحدهما: تجزئه كفارة واحدة. وهو ظاهر إطلاق الخرقي، واختيار أبي بكر، ومذهب الزهري، والأوزاعي، وأصحاب الرأي؛ لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها، فيجب أن تتداخل كالحد.
والثاني: لا تجزئ واحدة، ويلزمه كفارتان.
اختاره القاضي، وبعض أصحابنا. وهو قول مالك، والليث، والشافعي، وابن المنذر.
مسألة: إن كفر، ثم جامع ثانية، إذا كفر، ثم جامع ثانية، لم يخل من أن يكون في يوم واحد، أو في يومين.
فإن كان في يومين، فعليه كفارة ثانية، بغير خلاف نعلمه،
وإن كان في يوم واحد. فعليه كفارة ثانية. نص عليه أحمد.
وكذلك يخرج في كل من لزمه الإمساك وحرم عليه الجماع في نهار رمضان.
وإن لم يكن صائما، مثل من لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر، أو نسي النية، أو أكل عامدًا، ثم جامع، فإنه يلزمه كفارة.
مسألة: إذا أصبح مفطرًا يعتقد أنه من شعبان، فقامت البينة بالرؤية، لزمه الإمساك والقضاء في قول عامة الفقهاء، إلا ما روي عن عطاء أنه قال: يأكل بقية يومه. قال ابن عبد البر: لا نعلم أحدا قاله غير عطاء.
مسألة: فإن جامع فيه، فعليه القضاء والكفارة، كالذي أصبح لا ينوي الصيام، أو أكل ثم جامع.
وإن كان جماعه قبل قيام البينة فحكمه حكم من جامع يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، على ما مضى فيه.
من يلزمهم الإمساك
كل من أفطر والصوم لازم له، كالمفطر بغير عذر، والمفطر يظن أن الفجر لم يطلع وقد كان طلع، أو يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب، أو الناسي لنية الصوم، ونحوهم، يلزمهم الإمساك. لا نعلم بينهم فيه اختلافًا.
أما من يباح له الفطر في أول النهار ظاهرًا وباطنًا، كالحائض والنفساء والمسافر، والصبي، والمجنون، والكافر، والمريض، إذا زالت أعذارهم في أثناء النهار، فطهرت الحائض والنفساء، وأقام المسافر، وبلغ الصبي، وأفاق المجنون، وأسلم الكافر، وصح المريض المفطر، ففيهم روايتان؛ إحداهما: يلزمهم الإمساك في بقية اليوم. وهو قول أبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، والعنبري؛ لأنه معنى لو وجد قبل الفجر أوجب الصيام، فإذا طرأ بعد الفجر أوجب الإمساك، كقيام البينة بالرؤية.
والثانية: لا يلزمهم الإمساك. وهو قول مالك، والشافعي. وروي ذلك عن جابر بن زيد، وروي عن ابن مسعود أنه قال: من أكل أول النهار فليأكل آخره. ولأنه أبيح له فطر أول النهار ظاهرًا وباطنًا، فإذا أفطر كان له أن يستديمه إلى آخر النهار، كما لو دام العذر.
فإذا جامع أحد هؤلاء، بعد زوال عذره، انبنى على الروايتين في وجوب الإمساك؛ فإن قلنا: يلزمه الإمساك.
فحكمه حكم من قامت البينة بالرؤية في حقه إذا جامع.
وإن قلنا: لا يلزمه الإمساك. فلا شيء عليه.
فإن كان أحد الزوجين من أحد هؤلاء، والآخر لا عذر له، فلكل واحد حكم نفسه، على ما مضى.
وإن كانا جميعًا معذورين فحكمهما ما ذكرناه، سواء اتفق عذرهما، مثل أن يقدما من سفر، أو يصحا من مرض، أو اختلف، مثل أن يقدم الزوج من سفر، وتطهر المرأة من الحيض، فيصيبها.
وقد روي عن جابر بن يزيد أنه قدم من سفر، فوجد امرأته قد طهرت من حيض، فأصابها.
مسألة: إن نوى الصوم في سفره أو مرضه أو صغره، ثم زال عذره في أثناء النهار، لم يجز له الفطر، رواية واحدة، وعليه الكفارة إن وطئ.
ولو علم الصبي أنه يبلغ في أثناء النهار بالسن، أو علم المسافر أنه يقدم، لم يلزمهما الصيام قبل زوال عذرهما؛ لأن سبب الرخصة موجود، فيثبت حكمها، كما لو لم يعلما ذلك.
ما يلزم المسافر والحائض والمريض: يلزمهم القضاء، إذا أفطروا، بغير خلاف؛ لقول الله تعالى: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»[7]، والتقدير: فأفطر.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كانَ يُصِيبُنَا ذلكَ، فَنُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّوْمِ، ولَا نُؤْمَرُ بقَضَاءِ الصَّلَاة».[8]
كل الأجزاء
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (1)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (2)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (3)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (4)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (5)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (6)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (7)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (8)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (9)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (10)
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا

—————————————————————————————————————————————–

[1] تقدم بلفظ مختلف.
[2] تقدم.
[3] سورة المجادلة:4.
[4] سورة المائدة:89.
[5] سورة المائدة:89.
[6] تقدم.
[7] سورة البقرة: 184.
[8] صحيح مسلم – كتاب الحيض – باب وجوب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة – ح (335)، صحيح البخاري – كتاب الحيض – بَاب لَا تَقْضِي الْحَائِضُ الصَّلَاةَ – ح (310).
مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed