أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (3)

حكم الاستمناء
لو استمنى بيده فقد فعل محرمًا، ولا يفسد صومه به إلا أن ينزل، فإن أنزل فسد صومه؛ لأنه في معنى القبلة في إثارة الشهوة.
أما إن أنزل لغير شهوة، كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض، فلا شيء عليه؛ لأنه خارج لغير شهوة، أشبه البول، ولأنه يخرج من غير اختيار منه، ولا تسبب إليه، فأشبه الاحتلام.
مسألة: لو احتلم لم يفسد صومه، لأنه عن غير اختيار منه، فأشبه ما لو دخل حلقه شيء وهو نائم.
مسألة: لو جامع في الليل، فأنزل بعد ما أصبح، لم يفطر؛ لأنه لم يتسبب إليه في النهار، فأشبه ما لو أكل شيئًا في الليل، فذرعه القيء في النهار.
الفصل الخامس: إذا كرر النظر فأنزل، ولتكرار النظر أيضا ثلاثة أحوال:
أحدها: أن لا يقترن به إنزال، فلا يفسد الصوم بغير اختلاف.
الثاني: أن يقترن به إنزال المني، فيفسد الصوم في قول إمامنا، وعطاء، والحسن البصري، ومالك، والحسن بن صالح.
وحجتنا أنه إنزال بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه، فأفسد الصوم، كالإنزال باللمس، والفكر لا يمكن التحرز منه، بخلاف تكرار النظر.
الثالث: مذي بتكرار النظر. فظاهر كلام أحمد، أنه لا يفطر به؛ لأنه لا نص في الفطر، ولا يمكن قياسه على إنزال المني، لمخالفته إياه في الأحكام، فيبقى على الأصل.
مسألة: إن نظر فصرف بصره، لم يفسد صومه، سواء أنزل أو لم ينزل.
وحجتنا أن النظرة الأولى لا يمكن التحرز منها، فلا يفسد الصوم ما أفضت إليه، كالفكرة، وعليه يخرج التكرار،
تكرار النظر لمن يحرك شهوته
 تكرار النظر مكروه لمن يحرك شهوته، غير مكروه لمن لا يحرك شهوته، كالقبلة.
ويحتمل أن لا يكره بحال؛ لأن إفضاءه إلى الإنزال المفطر بعيد جدًا، بخلاف القبلة، فإن حصول المذي بها ليس ببعيد.
مسألة: إن فكر فأنزل، لم يفسد صومه، وحجتنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[1].
ولأنه لا نص في الفطر به ولا إجماع، ولا يمكن قياسه على المباشرة، ولا تكرار النظر، لأنه دونهما في استدعاء الشهوة، وإفضائه إلى الإنزال، ويخالفهما في التحريم إذا تعلق ذلك بأجنبية، أو الكراهة إن كان في زوجة، فيبقى على الأصل.
ماذا يفسد الصوم من هذا؟
المفسد للصوم من هذا كله ما كان عن عمد وقصد، فأما ما حصل منه عن غير قصد، كالغبار الذي يدخل حلقه من الطريق، ونخل الدقيق، والذبابة التي تدخل حلقه، أو يرش عليه الماء فيدخل مسامعه، أو أنفه أو حلقه، أو يلقى في ماء فيصل إلى جوفه، أو يسبق إلى حلقه من ماء المضمضة، أو يصب في حلقه أو أنفه شيء كرهًا، أو تداوى مأمومته أو جائفته بغير اختياره، أو يحجم كرهًا، أو تقبله امرأة بغير اختياره فينزل، أو ما أشبه هذا، فلا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافًا؛ لأنه لا فعل له فلا يفطر، كالاحتلام.
وأما إن أكره على شيء من ذلك بالوعيد، ففعله، فقال ابن عقيل: قال أصحابنا: لا يفطر به أيضًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم «إِنَّ اللَّهَ قد تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»[2]، قال: ويحتمل عندي أن يفطر؛ لأنه فعل المفطر لدفع الضرر عن نفسه، فأشبه المريض يفطر لدفع المرض، ومن يشرب لدفع العطش، ويفارق الملجأ؛ لأنه خرج بذلك عن حيز الفعل، ولذلك لا يضاف إليه، ولذلك افترقا فيما لو أكره على قتل آدمي، وألقي عليه.
ماذا عليه إن أفطر بشيء من ذلك؟
عليه القضاء، لا نعلم في ذلك خلافا؛ لأن الصوم كان ثابتًا في الذمة، فلا تبرأ منه إلا بأدائه، ولم يؤده، فبقي على ما كان عليه؛ ولا كفارة في شيء مما ذكرناه، في ظاهر المذهب. وهو قول سعيد بن جبير، والنخعي، وابن سيرين، وحماد، والشافعي.
وحجتنا أنه أفطر بغير جماع، فلم توجب الكفارة، كبلع الحصاة أو التراب، أو كالردة عند مالك، ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الجماع، لأن الحاجة إلى الزجر عنه أمس، والحكم في التعدي به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرمًا، ويختص بإفساد الحج دون سائر محظوراته، ووجوب البدنة، ولأنه في الغالب يفسد صوم اثنين، بخلاف غيره.
الواجب في القضاء
الواجب في القضاء عن كل يوم يوم، في قول عامة الفقهاء.
وحجتنا قول الله تعالى: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»[3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في قصة المجامع: «كُلْهُ أنتَ وأهلُ بَيْتِكَ، وصُمْ يومًا واستغفرِ الله»[4].
ولأن القضاء يكون على حسب الأداء، بدليل سائر العبادات، ولأن القضاء لا يختلف بالعذر وعدمه، بدليل الصلاة والحج.
مسألة: إن فعل شيئًا مما سبق ناسيًا، فهو على صومه ولا قضاء عليه.
وروي عن علي رضي الله عنه: لا شيء على من أكل ناسيًا. وهو قول أبي هريرة، وابن عمر، وعطاء، وطاوس، وابن أبي ذئب، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبي حنيفة، وإسحاق.
وحجتنا ما روى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»[5]،  وفي لفظ: «مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلَا يُفْطِرْ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ»[6].
ولأنها عبادة ذات تحليل وتحريم، فكان في محظوراتها ما يختلف عمده وسهوه، كالصلاة والحج.
وأما النية فليس تركها فعلًا، ولأنها شرط، والشروط لا تسقط بالسهو، بخلاف المبطلات، والجماع حكمه أغلظ ويمكن التحرز عنه
فإن فعل شيئا من ذلك، وهو نائم، لم يفسد صومه؛ لأنه لا قصد له، ولا علم بالصوم، فهو أعذر من الناسي.
حكم من استقاء
معنى استقاء: تقيأ مستدعيا للقيء. وذرعه: خروج من غير اختيار منه، فمن استقاء فعليه القضاء؛ لأن صومه يفسد به. ومن ذرعه فلا شيء عليه؛ وهذا قول عامة أهل العلم.
قال الخطابي: لا أعلم بين أهل العلم فيه اختلافًا.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدًا.
وحجتنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من استقاء فعليه القضاء ومن ذرعه القئ فلا قضاء عليه»[7].
حكم قليل القيء
قليل القيء وكثيره سواء، في ظاهر قول الخرقي وهو إحدى الروايات عن أحمد، والرواية الثانية: لا يفطر إلا بملء الفم، لأن اليسير لا ينقض الوضوء، فلا يفطر كالبلغم.
والثالثة، نصف الفم، لأنه ينقض الوضوء، فأفطر به كالكثير.
والأولى أولى لظاهر الحديث الذي رويناه، ولأن سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها.
كل الأجزاء
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (1)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (2)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (3)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (4)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (5)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (6)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (7)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (8)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (9)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (10)
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا

——————————————————————————————-

[1] صحيح البخاري – كتاب الطلاق – باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلظ والنسيان في الطلاق والشرك وغيره – ح (4968)، صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر – ح (127).
[2] سنن ابن ماجه – أبواب الطلاق – بَابُ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي – ح (2044)، المعجم الكبير – الطبراني – (11110)، صحيح ابن حبان – ذِكْرُ الْإِخْبَارِ عَمَّا وَضَعَ اللَّهُ بِفَضْلِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ – ح (7219).
[3] سورة البقرة: 184.
[4] سنن أبي داود – أول كتاب الصوم – باب كفَّارة من أتى أهله في رمضان – ح (2393).
[5] سنن ابن ماجه – أبواب الصيام – بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا – ح (1672)، مسند الإمام أحمد بن حنبل – مسند المكثرين من الصحابة – مُسْنَدُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – ح (9136).
[6] سنن الترمذي – أبواب الصوم – بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّائِمِ يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ نَاسِيًا – ح (721).
[7] قال النووي: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وغيرهم، قال الترمذي: هو حديث حسن، قال: وقال البخاري: لا أراه محفوظًا، وقال الدارقطني رواته كلهم ثقات، ورواه النسائي والبيهقي مرفوعًا وموقوفًا على أبي هريرة.
مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed