سؤال: تُفقد علامات العشاء والفجر عندنا في أوروبا فترة من الصيف، ونحن قد تبنينا القول الذي يرى جواز الجمع لغيات العلامة الشرعية، وسؤالنا: هل يمكن لنا في رمضان أن نصلي المغرب في وقته، ثم نحدد وقتًا لصلاة العشاء بعد ساعة – مثلًا – من دخول وقت المغرب؛ تخفيفًا على المصلين، ورفقًا بأصحاب الأعمال والطلاب، وتقليلًا لمشكلات العلاقة مع الجيران في مساجد المسلمين في الغرب؟
الإجابة: يفرق بين وقت وجوب الصلاة وبين وقت أدائها، فقد يتأخر وقت الأداء عن وقت الوجوب، ولا حرج في هذا فقد ثبت تأخير رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة عن أول وقتها، أما مسألة الجمع بين الصلاتين مع وجود الفاصل الزمني الكبير، فهذا مما اختلف فيه الفقهاء بين مجيز ومانع، والذي أراه جواز الجمع ولو تأخرت الفريضة الثانية عن الأولى وهو مذهب بعض الشافعيَّة وبعض الحنابلة، وقول للإمام أحمد ورجحه ابن تيميَّة وغيره.
قال النووي في المجموع: «المذهب الصحيح المنصوص للشافعي، وقطع به المصنف والجمهور اشتراطُها، وفيه وجه أنه يجوز الجمع وإن طال الفصل بينهما ما لم يخرج وقت الأولى؛ حكاه أصحابنا عن أبي سعيد الإصطخري، وحكاه الرافعي عنه وعن أبي علي الثقفي من أصحابنا، ونص الشافعي في الأم أنه لو صلى المغرب في بيته بنية الجمع ثم أتى المسجد فصلى العشاء جاز، وهذا نص مؤول عند الأصحاب»[1].
ونقل المرداوي في الإنصاف فتوى الإمام أحمد في جمع المطر، أنه إذا صلى إحداهما في بيته، والصلاة الأخرى في المسجد، فلا بأس[2].
فهذان نقلان يدلان على عدم اشتراط الموالاة عند الإمامين، ورجح ابن تيمية عدم الاشتراط لأنه «ليس لذلك حد في الشرع، ولأن مراعاة ذلك يسقط مقصود الرخصة»[3].
ويدل على عدم اشتراط الموالاة فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجته؛ فقد روى أسامة بن زيد t أن رسول الله ﷺ دفع من عرفة؛ حتى إذا كان بالشعب؛ نزل فبال، ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء؛ فقلت: الصلاة يا رسول الله. فقال: »الصَّلَاةُ أَمَامَكَ«، فركب، فلما جاء المزدلفة؛ نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم أقيمت الصلاة؛ فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلى ولم يصل بينهما[4]«.
وكذا ثبت من فعل الصحابة ومنهم ابن مسعود رضي الله عنه، فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: «حج عبد الله رضي الله عنه ؛ فأتينا المزدلفة حين الأذان بالعتمة أو قريبًا من ذلك؛ فأمر رجلًا فأذن وأقام ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه؛ فتعشى؛ ثم أمر – أُرَى – فأذن وأقام، – قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير -، ثم صلى العشاء ركعتين»[5].
ويشهد له أيضا أن الصحيح إذا صلى الفريضة الأولى ثم أدركه مرض واحتاج إلى الجمع مُنع منه على القول بالاشتراط، وهذا يناقض التوسعة على المريض والتخفيف عنه برخصة الجمع، ويشهد له أيضا ما سبق أن الفاصل الذي يمنع الجمع مفقود تحديده.
وبناء على ذلك يجوز لكم فعل ما سألتم عنه من غير حرج إن شاء الله تعالى.
[4] صحيح البخاري ــ كتاب الحج ــ باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة ـ ح (1588)، صحيح مسلم ــ كتاب الحج ــ باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر ــ ح (1280).
[5] صحيح البخاري – كتاب الحج – باب من أذن وأقام لكل واحدة منهما – ح (1591).