يجب على الصائم أن ينزه صومه عن الكذب والغيبة والشتم.
قال أحمد: ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من لسانه، ولا يماري، ويصون صومه، كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد، وقالوا: نحفظ صومنا. ولا يغتاب أحدًا، ولا يعمل عملا يجرح به صومه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[1].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ»[2] .
ليلة القدر
ليلة القدر ليلة شريفة مباركة معظمة مفضلة، قال الله تعالى: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»[3].
قيل: معناه العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[4].
وقيل: إنما سميت ليلة القدر؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من خير ومصيبة، ورزق وبركة.
يروى ذلك عن ابن عباس، قال الله تعالى: «فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ»[5]، وسماها مباركة، فقال تعالى «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ»[6].
وهي ليلة القدر؛ بدليل قوله سبحانه: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»[7]. وقال تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ»[8].
يروى أن جبريل نزل به من بيت العزة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل به على النبي صلى الله عليه وسلم نجومًا في ثلاث وعشرين سنة.
وهي باقية لم ترفع؛ وأكثر أهل العلم على أنها في رمضان.
وكان ابن مسعود يقول: من يقم الحول يصبها.
يشير إلى أنها في السنة كلها.
وفي كتاب الله تعالى ما يبين أنها في رمضان؛ لأن الله أخبر أنه أنزل القرآن في ليلة القدر، وأنه أنزله في رمضان، فيجب أن تكون ليلة القدر في رمضان؛ لئلا يتناقض الخبران، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنها في رمضان في حديث أبي ذر، وقال: «فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ»[9].
وقال أبي بن كعب: والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، ولكنه كره أن يخبركم، فتتكلوا.
إذا ثبت هذا فإنه يستحب طلبها في جميع ليالي رمضان، وفي العشر الأواخر آكد، وفي ليالي الوتر منه آكد.
وقال أحمد: هي في العشر الأواخر، وفي وتر من الليالي، لا يخطئ إن شاء الله.
روى سالم عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ»[10].
وقال عائشة رضي الله عنها: «كانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إذَا دَخَلَ العَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئْزَرَ»[11].
أرجى ليلة: واختلف أهل العلم في أرجى هذه الليالي، فقال أبي بن كعب، وعبد الله بن عباس: هي ليلة سبع وعشرين.
قال زر بن حبيش قلت لأبي بن كعب: أما علمت أبا المنذر، أنها ليلة سبع وعشرين؟ قال: بلى، أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لها شعاع.
فعددنا، وحفظنا، والله لقد علم ابن مسعود أنها في رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه كره أن يخبركم، فتتكلوا[13].
وحكي عن ابن عباس، أنه قال: سورة القدر ثلاثون كلمة، السابعة والعشرون منها هي.
وقيل: آكدها ليلة ثلاث وعشرين؛ لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن عبد الله بن أنيس، سأله، فقال: يا رسول الله، إن لي باديةً أكون فيها وأنا أصلِّي فيها بحمدِ الله، فمرني بليلةِ أنزِلُها إلى هذا المسجد، فقال: «انزِل ليلةَ ثلاث وعشرين» فقلت لابنه: كيف كان أبوك يَصْنَعُ؟ قال: كان يَدخُلُ المسجد إذا صلَّى العصر، فلا يخرُج منه لحاجة حتى يُصلِّي الصبحَ، فإذا صلَّى الصبحَ وجد دابته على باب المسجد، فجلس عليها فلَحِقَ بباديتِه»[14].
وقيل: آكدها ليلة أربع وعشرين؛ لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ليلة القدر أول ليلة من السبع الأواخر، وروي عن بعض الصحابة، أنه قال: لم نكن نعد عددكم هذا، وإنما كنا نعد من آخر الشهر. يعني أن السابعة والعشرين هي أول ليلة من السبع الأواخر.
وقيل: آكدها ليلة إحدى وعشرين؛ لما روى أبو سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نُسِّيتُهَا؛ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ» قال أبو سعيد: فانصرف علينا وعلى جبهته وانفه أثر الماء والطين في صبيحة يوم إحدى وعشرين»[16].
قال الترمذي: قد روي أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وليلة خمس وعشرين، وليلة سبع وعشرين، وليلة تسع وعشرين، وآخر ليلة.
وقال أبو قلابة: إنها تنتقل في ليالي العشر. قال الشافعي: كان هذا عندي – والله أعلم – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجيب على نحو ما يسأل.
فعلى هذا كانت في السنة التي رأى أبو سعيد النبي صلى الله عليه وسلم يسجد في الماء والطين ليلة إحدى وعشرين، وفي السنة التي أمر عبد الله بن أنيس ليلة ثلاث وعشرين، وفي السنة التي رأى أبي بن كعب علامتها ليلة سبع وعشرين، وقد ترى علامتها في غير هذه الليالي.
قال بعض أهل العلم: أبهم الله تعالى هذه الليلة على الأمة ليجتهدوا في طلبها، ويجدوا في العبادة في الشهر كله طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، ليكثروا من الدعاء في اليوم كله، وأخفى اسمه الأعظم في الأسماء ورضاه في الطاعات، ليجتهدوا في جمعها، وأخفى الأجل وقيام الساعة، ليجد الناس في العمل، حذرا منهما.
علامة ليلة القدر: المشهور فيها ما ذكره أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تطلع من صبيحتها بيضاء لا شعاع لها[17]. وفي بعض الأحاديث: بيضاء مثل الطست،
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بلجة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها.
الاجتهاد في ليلة القدر
يستحب أن يجتهد فيها في الدعاء، ويدعو فيها بما روي عن عائشة، أنها قالت: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةِ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: «قولي: اللهمَّ إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي»[18].
[4] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية – ح (1802)، صحيح مسلم – صلاة المسافرين – باب الترغيب في قيام رمضان (صلاة المسافرين باب الترغيب في قيام رمضان رقم (759)
[9] صحيح البخاري – كتاب صلاة التراويح – باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر – ح (1917)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها – ح (1165).
[10] صحيح البخاري – كتاب صلاة التراويح – باب التماس ليلة القدر في السبع الأواخر – ح (1911)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها – ح (1165).
[11] صحيح البخاري – كتاب صلاة التراويح – باب العمل في العشر الأواخر من رمضان – ح (1920)، صحيح مسلم – كتاب الاعتكاف – باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان – ح (1174).
[12] صحيح البخاري – كتاب صلاة التراويح – باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر – ح (1913).
[13] رواه أبو داود عن زر بن حبيش قال: قلتُ لأبىِّ بن كعب: أخبرني عن ليلة القَدْرِ يا أبا المنذر، فإن صاحبَنا سُئِلَ عنها، فقال: من يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها، فقال: رَحِمَ الله أبا عبدِ الرحمن، والله لقدْ عَلِمَ أنها في رمضانَ – زاد مُسدَّدٌ: – ولكن كره أن يتَّكِلُوا – أو أحبَّ أن لا يَتَّكِلُوا – ثم اتفقا: – والله إنها لَفِي رَمضانَ ليلةَ سبعِ وعشرينَ، لا يستثني، قلت: يا أبا المنذر، أنى علمتَ ذلك؟ قال: بالآية التي أخبَرَنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم، قلتُ لزِرٍّ: ما الآية؟ قال: تُصبحُ الشمسُ صبيحةَ تلك الليلة مثلَ الطَّستِ ليس لها شُعاعٌ حتى تَرتفعَ سنن أبي داود – كتاب الصلاة – باب في ليلة القدر – ح (1378).
[14] سن أبي داود – كتاب الصلاة – باب في ليلة القدر – ح (1380).
[15] سنن أبي داود – كتاب الصلاة – باب قيام شهر رمضان – ح (1375)، السنن الكبرى – النسائي – كتاب المساجد – ثَوَابُ مَنْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ – ح (1289).
[16] صحيح البخاري – السابق – ح (1912)، صحيح مسلم – السابق – ح (1167).