عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولنَّ أحدُكُم: إني صُمْتُ رمضانَ كُلَّه وقمتُه كلَّه» فلا أدْرِي أكَرِهَ التزكيةَ، أو قال: لا بدَّ من نَوْمةٍ أو رقْدَةٍ»[1].
يكره صمت يوم إلى الليل للصائم ولغيره من غير حاجة لحديث علي رضي الله عنه قال: «حفظت من رسول الله «لا يُتمَ بعدَ احتلامٍ، ولا صُمَاتَ يومٍ إلى اللَيْلِ»[2].
قال الشافعي والأصحاب يكره للصائم السواك بعد الزوال، هذا هو المشهور، ولا فرق بين صوم النفل والفرض، وقال القاضي حسين: لا يكره في النفل ليكون أبعد من الرياء وهذا غريب ضعيف.
أحكام القضاء
إذا كان عليه قضاء رمضان أو بعضه فإن كان معذورًا في تأخير القضاء بأن استمر مرضه أو سفره ونحوهما جاز له التأخير مادام عذره ولو بقي سنين، ولا تلزمه الفدية بهذا التأخير وإن تكررت رمضانات، وإنما عليه القضاء فقط؛ لأنه يجوز تأخير أداء رمضان بهذا العذر فتأخير القضاء أولى بالجواز.
أما إذا كان عليه قضاء أيام من رمضان ولم يكن له عذر؛ لم يجز أن يؤخره إلى أن يدخل رمضان آخر بلا خلاف؛ فإن أخره حتى أدركه رمضان آخر وجب عليه لكل يوم مد من طعام؛ لما روى عن ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة انهم قالوا فيمن عليه صوم فلم يصمه حتى أدركه رمضان آخر: يطعم عن الأول.
فإن اخره سنتين ففيه وجهان: أصحهما يجب لكل سنة مد لأنه تأخير سنة فأشبهت السنة الأولي.
والمستحب أن يقضي ما عليه متتابعًا لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْمٌ مِنْ رَمَضَانَ فَلْيَسْرُدْهُ وَلاَ يُقَطِّعْهُ»[3]، ولأن فيه مبادرة إلى أداء الفرض، ولأن ذلك أشبه بالأداء فإن قضاه متفرقًا جاز لقوله تعالي«فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر» [4](ولأنه تتابع وجب لأجل الوقت فسقط بفوات الوقت.
ولو أخر القضاء مع الإمكان حتى مات بعد دخول رمضان قبل أن يقضي، وقلنا الميت يُطعم عنه؛ فوجهان مشهوران: أصحهما عند الأصحاب يجب لكل يوم مدان من تركته؛ مد عن الصوم، ومد عن التأخير. قال الماوردي: وهذا مذهب الشافعي، أما إذا قلنا يصوم عنه وليه فصام؛ حصل تدارك أصل الصوم، ويجب مد للتأخير لأنه كان واجبًا عليه في حياته.
مسألة: أفطر بلا عذر وأخر الصوم حتى دخل رمضان آخر ومات قبل القضاء وقلنا يلزمه الفدية فالمذهب وجوب ثلاثة أمداد لكل يوم فإن تكررت السنون زادت الأمداد.
مسألة: إذ أراد تعجيل فدية التأخير قبل مجيء رمضان الثاني ليؤخر القضاء مع الإمكان ففي جوازه وجهان.
مسألة: إذا أخر الشيخ الهرم المد عن السنة فالمذهب انه لا شيء عليه.
وقت القضاء: يجوز قضاء رمضان عندنا في جميع السنة غير رمضان الثاني، وأيام العيد، والتشريق، ولا كراهة في شيء من ذلك سواء ذو الحجة وغيره، وحكاه ابن المنذر عن: سعيد بن المسيب، وأحمد، واسحق، وأبي ثور، وبه قال جمهور العلماء.
من مات وعليه قضاء رمضان: قال أصحابنا من مات وعليه قضاء رمضان أو بعضه فله حالان:
أحدهما: أن يكون معذورًا في تفويت الأداء، ودام عذره إلى الموت، كمن اتصل مرضه، أو سفره، أو إغماؤه، أو حيضها، أو نفاسها، أو حملها، أو إرضاعها، ونحو ذلك بالموت لم يجب شيء على ورثته ولا في تركته لا صيام ولا إطعام وهذا لا خلاف فيه عندنا لأنه فرض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكم.
الحال الثاني: أن يتمكن من قضائه سواء فاته بعذر أم بغيره، ولا يقضيه حتى يموت، ففيه قولان: أشهرهما وأصحهما عند المصنف والجمهور وهو المنصوص في الجديد أنه يجب في تركته لكل يوم مد من طعام ولا يصح صيام وليه عنه.
مسألة: هل يلزم الولي القضاء؟ من مات وعليه صوم وتمكن منه فلم يصمه حتى مات يجوز لوليه أن يصوم عنه، ولا يلزمه ذلك، وعلى هذا القول لو أطعم عنه جاز، فهو على القديم مخير بين الصيام والإطعام، ويدل عليه: ما جاء في الأحاديث الصحيحة، ومنها: حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ»[5]، وعن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى»[6]، وعن ابن عباس أيضًا قال: «جَاءَتِ امْرَأَةٌ إلى رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَقالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قالَ: أَرَأَيْتِ لو كانَ علَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ، أَكانَ يُؤَدِّي ذَلِكِ عَنْهَا؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَصُومِي عن أُمِّكِ»[7] وعن بريدة قال: «بيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، إذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ، فَقالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ علَى أُمِّي بجَارِيَةٍ، وإنَّهَا مَاتَتْ، قالَ: فَقالَ: وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ، قالَتْ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه كانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قالَ: صُومِي عَنْهَا، قالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قالَ: حُجِّي عَنْهَا. وفي رِوايةٍ: صَوْمُ شَهْرَيْن»[8].
فروع:
حكم صوم النذر والكفارة وجميع أنواع الصوم الواجب سواء في جميع ما ذكرناه.
إذا قلنا إنه يجوز صوم الولي عن الميت وصوم الأجنبي بإذن الولي فصام عنه ثلاثون إنسانًا في يوم واحد؛ هل يجزئه عن صوم جميع رمضان؟ فهذا مما لم أر لأصحابنا كلامًا فيه، وقد ذكر البخاري في صحيحه عن الحسن البصري أنه يجزئه وهذا هو الظاهر الذي نعتقده.
قال أصحابنا وغيرهم ولا يصام عن أحد في حياته بلا خلاف، سواء كان عاجزًا، أو قادرًا.
لو مات وعليه صلاة، أو اعتكاف لم يفعلهما عنه وليه، ولا يسقط عنه بالفدية صلاة ولا اعتكاف. هذا هو المشهور في المذهب.
أحكام الفدية
حكم الفدية وبيانها سواء الفدية المخرجة عن الميت، وعن المرضع، والحامل، والشيخ الكبير، والمريض الذي لا يرجى برؤه، ومن عصى بتأخير قضاء رمضان حتى دخل رمضان آخر، ومن أفطر عمدًا وألزمناه الفدية على وجه ضعيف، وغيرهم ممن تلزمه فدية في الصوم؛ وهي مد من طعام لكل يوم، جنسه جنس زكاة الفطر فيعتبر غالب قوت بلده. ومصرفها الفقراء أو المساكين.
كل مد منها منفصل عن غيره؛ فيجوز صرف أمداد كثيرة عن الشخص الواحد، والشهر الواحد، إلى مسكين واحد، أو فقير واحد.
باب صوم التطوع
أولًا: ست من شوال
روى أبو أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ»[9]، ويستحب أن يصومها متتابعة في أول شوال؛ فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز؛ وكان فاعلًا لأصل هذه السنة لعموم الحديث وإطلاقه، وهذا لا خلاف فيه عندنا وبه قال أحمد وداود.
ثانيًا: يوم عرفة
ويستحب لغير الحاج أن يصوم يوم عرفة لما روى أبو قتادة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن صومِ يومِ عرفَةَ؛ فقال: يُكفِّرُ السَّنةَ الماضيةَ والباقيةَ»[10]، ولا يستحب ذلك للحاج؛ لما روت أم الفضل بنت الحارث «أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ يَوْمَ عَرَفَةَ فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ»[11].
والمستحب للحاج بعرفة الفطر يوم عرفة مطلقًا وبه قال جمهور أصحابنا.
وقال الشافعي والأصحاب: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة.
وقال البغوي وغيره: يوم عرفة أفضل أيام السنة، وقال السرخسي في هذا الباب: اختلف في يوم عرفة ويوم الجمعة أيهما أفضل؟ فقال بعضهم: يوم عرفة لأن النبي e جعل صيامه كفارة سنتين، ولم يرد مثله في يوم الجمعة، وقال بعضهم: يوم الجمعة أفضل لقوله صلى الله عليه وسلم : «خَيْرُ يَومٍ طَلَعَتْ عليه الشَّمْسُ يَوْمُ الجُمُعَةِ»[12]، ومما يدل لترجيح يوم عرفة أنه كفارة سنتين كما سبق، ولأن الدعاء فيه أفضل أيام السنة، ولأنه جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِن يَومٍ أَكْثَرَ مِن أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فيه عَبْدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ»[13]
ثالثًا: يوم عاشوراء
يستحب أن يصوم يوم عاشوراء لحديث أبي قتادة t «أن رسول الله صلى الله عليه وسلمسُئِلَ عن صَوْمِ يَومِ عَاشُورَاءَ، فَقالَ: يُكَفِّرُ السَّنَةَ المَاضِيَةَ»[14]، ويستحب أن يصوم يوم تاسوعاء، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلملَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»[15].
وذكر العلماء من أصحابنا وغيرهم في حكمة استحباب صوم تاسوعاء أوجهًا:أحدها: أن المراد منه مخالفة اليهود في اقتصارهم على العاشر. الثاني: أن المراد به وصل يوم عاشوراء بصوم كما نهى أن يصوم يوم الجمعة وحده، ذكرهما الخطابي وآخرون. الثالث: الاحتياط في صوم العاشر خشية: نقص الهلال، ووقوع غلط؛ فيكون التاسع في العدد هو العاشر في نفس الأمر.
واختلف أصحابنا في صوم يوم عاشوراء هل كان واجبًا في أول الإسلام ثم نسخ أم لم يجب في وقت أبدًا؟ على وجهين مشهورين لأصحابنا: أصحهما وهو ظاهر مذهب الشافعي وعليه أكثر أصحابنا وهو ظاهر نص الشافعي بل صريح كلامه: أنه لم يكن واجبًا قط، ودليل هذا أحاديث كثيرة صحيحة، منها حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال يَومَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ علَى المِنْبَرِ: «يا أهْلَ المَدِينَةِ، أيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: هذا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، ولَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ علَيْكُم صِيَامَهُ، وأَنَا صَائِمٌ، فمَن شَاءَ فَلْيَصُمْ، ومَن شَاءَ فَلْيُفْطِرْ»[16]. قال البيهقي وقوله: «لم يكتب عليكم صيامه» يدل على أنه لم يكن واجبًا قط؛ لأن لم لنفي الماضي.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه ذُكِرَ عِنْدَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمُ عَاشُورَاءَ فقال: «كانَ يَوْمًا يَصُومُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ، فمَن أَحَبَّ مِنكُم أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ، وَمَن كَرِهَ فَلْيَدَعْهُ»[17]. وعن عائشة قالت: «كَانَتْقُرَيْشٌ تَصُومُ عَاشُورَاءَ في الجَاهِلِيَّةِ، وَكانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلى المَدِينَةِ، صَامَهُ وَأَمَرَ بصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ شَهْرُ رَمَضَانَ قالَ: مَن شَاءَ صَامَهُ وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ»[18] .
رابعًا: ثلاثة أيام من كل شهر
يستحب صيام ايام البيض، وهي ثلاثة من كل شهر لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم بثَلَاثٍ: بصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ»[19]، وثبت في صحيح مسلم عن معاذة العدوية أنها سألت عائشة رضي الله عنها: «أَكانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ، فَقُلتُ لَهَا: مِن أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كانَ يَصُومُ؟ قالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِن أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ»[20]، وجاء في غير مسلم تخصيص أيام البيض في أحاديث منها حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا صُمتَ من الشَّهرِ ثلاثًا، فصُمْ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وأَربعَ عَشْرَةَ، وخَمْسَ عَشْرَةَ»[21]، وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «.. وصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فإنَّ الحَسَنَةَ بعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وذلكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ»[22].
وأجمعت الأمة على أن أيام البيض لا يجب صومها الآن؛ قال الماوردي: اختلف الناس هل كانت واجبة في أول الإسلام أم لا؟ فقيل: كانت واجبة فنسخت بشهر رمضان، وقيل: لم تكن واجبة قط، وما زالت سنة. قال وهو أشبه بمذهب الشافعي رحمه الله.
خامسًا: الاثنين والخميس
يستحب صوم يوم الاثنين والخميس لما روى أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «كَانَ يَصُومُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ، وسُئِلَ عن ذلك، فقال: «إن أعمالَ الناسِ تُعرَضُ يومَ الاثنين ويومَ الخميس»[23]، وما رواه أبو قتادة رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الاثنين؛ قال: فيه ولدت وفيه أنزل علي»[24].
سادسًا: صوم الاشهر الحرم
وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب، لحديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها «أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلَقَ، فأتاه بعد سنة وقد تغيَّرتْ حالُه وهيئتُه، فقال: يا رسولَ الله، أما تَعْرِفني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا الباهليُّ الذي جئتُكَ عام الأولِ قال: فما غَيَّرَكَ، وقد كنتَ حسنَ الهيئة؟ قال: ما أكلتُ طعاماً منذ فارقتُك إلا بليلِ، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : لم عذَّبت نفسك؟ ثم قال: صم شهر الصَّبر، ويوماً من كلِّ شهرٍ، قال: زدني فإن بي قوةً، قال: صم يومين، قال: زدني، قال: صُم ثلاثة أيام، قال: زدني، قال: صم مِن الحُرُمِ واتْرُكْ، صُمْ مِن الحُرُم واتْرُك، صمْ من الحُرُم واتْرُك، وقال بأصابعه الثلاثة فضمَّها ثم أرسلها»[25]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أَفْضَلُ الصِّيامِ، بَعْدَ رَمَضانَ، شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وأَفْضَلُ الصَّلاةِ، بَعْدَ الفَرِيضَةِ، صَلاةُ اللَّيْلِ»[26].
سابعًا: صوم شعبان: ومن المسنون صوم شعبان لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَصومُ حتى نقولَ: لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى نقولَ: لا يصومُ، وما رأيتُ رَسولَ اللهِ e استكمَلَ صِيامَ شَهرٍ قَطُّ إلَّا رَمضانَ، وما رأيتُه في شَهرٍ أكثَرَ منه صيامًا في شَعبانَ»[27].
ثامنًا: صوم الأيام التسعة من أول ذي الحجة: لحديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللَّهِ من هذِهِ الأيَّام يعني أيَّامَ العشرِ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ؟ قالَ: ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ، إلَّا رَجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ، فلم يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ»[28]، وعن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: «كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يصومُ تِسعَ ذي الحِجَّةِ، ويومَ عاشوراءَ، وثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ: أوَّلَ اثنينِ مِن الشَّهرِ، والخميسَ والخميسَ»[29] .
مسائل في صوم التطوع
صوم الدهر: إن خاف ضررًا أو فوت حق بصيام الدهر كره له، وإن لم يخف ضررًا، ولم يفوت حقًا لم يكره هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به المصنف والجمهور.
صوم المرأة بغير إذن زوجها: لا يجوز للمرأة أن تصوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ»[31]، ولأن حق الزوج فرض؛ فلا يجوز تركه بنفل.
ولو صامت بغير إذن زوجها صح باتفاق أصحابنا، وإن كان الصوم حرامًا؛ لأن تحريمه لمعنى آخر لا لمعنى يعود إلى نفس الصوم.
وصومها التطوع في غيبة الزوج عن بلدها جائز بلا خلاف لمفهوم الحديث، ولزوال معنى النهي.
من شرع في صوم تطوع: من دخل في صوم تطوع أو صلاة تطوع استحب له اتمامها، فإن خرج منها جاز؛ لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلمفقال: هل عِندَكم مِن غَداءٍ؟ قالت: لا. قال: فإنِّي إذَنْ أصومُ. قالت: وقال لي يَومًا آخَرَ: أعِندَكم شَيءٌ؟ قُلتُ: نَعَمْ. قال: إذَنْ أُفطِرُ، وإنْ كُنتُ فَرَضتُ الصَّومَ»[32]، ولقوله تعالى: «وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ»[33] وللخروج من خلاف العلماء.
فإن خرج منهما بعذر أو بغير عذر لم يحرم عليه ذلك، ولا قضاء عليه، لكن يكره الخروج منهما بلا عذر؛ لقوله تعالي: «وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ». هذا هو المذهب. وأما الخروج منه بعذر فلا كراهة فيه بلا خلاف
ويستحب قضاؤه سواء خرج بعذر أم بغيره، والأعذار معروفة منها: أن يشق على ضيفه، أو مضيفه صومه؛ فيستحب أن يفطر؛ فيأكل معه لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[34]، ولقوله صلى الله عليه وسلم : «وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ»[35]، وأما إذا لم يشق على ضيفه أو مضيفه صومه التطوع فالأفضل بقاؤه وصومه.
صوم يوم الشك
لا يجوز صوم يوم الشك لما روى عن عمار رضي الله عنه أنه قال: «مَنْ صَامَ اليَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ النَّاسُ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم»[36].
فان صام يوم الشك عن رمضان لم يصح لقوله صلى الله عليه وسلم : «وَلا تَسْتَقْبِلُوا الشَّهْرَ اسْتِقْبَالًا»[37]، ولأنه يدخل في العبادة وهو في شك من وقتها؛ فلم يصح كما لو دخل في الظهر وهو يشك في وقتها.
وإن صام فيه عن فرض عليه كره وأجزأه كما لو صلي في دار مغصوبة.
فإن صام عن تطوع نظرت: إن كان له سبب بأن كان عادته صوم الدهر، أو صوم يوم وفطر يوم، أو صوم يوم معين كيوم الاثنين؛ فصادفه جاز صومه بلا خلاف بين أصحابنا، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق صوما كان يصومه أحدكم»[38].
فإن خالف وصام أثم بذلك، وفي صحة صومه وجهان مشهوران في طريقة خراسان؛ أصحهما بطلانه.
وإن وصله بما قبل النصف جاز، وإن وصله بما بعده لم يجز، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان النِّصفُ مِن شعبانَ فلا صيامَ إلَّا رمَضانَ»[39].
ويوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في ألسنة الناس إنه رؤى ولم يقل عدل إنه رآه، أو قاله وقلنا لا تقبل شهادة الواحد، أو قاله عدد من النساء، أو الصبيان، أو العبيد، أو الفساق، وهذا الحد لا خلاف فيه عند أصحابنا، قالوا: فأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك، سواء كانت السماء مصحية، أو أطبق الغيم هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور.
ولو كان في السماء قطع سحاب يمكن رؤية الهلال من خللها، ويمكن أن يخفى تحتها، ولم يتحدث برؤيته، فوجهان: الأصح أنه ليس بيوم شك وهو الاصح. وقال إمام الحرمين ان كان ببلد يستقل أهله بطلب الهلال فليس بشك.
تفسير قوله صلى الله عليه وسلم: «فَاقْدُرُوا له»[40]
قال أهل اللغة: يقال قدرت الشيء أقدره وأقدُِره بضم الدال وكسرها، وقدرته وأقدرته بمعنى واحد، وهو من التقدير قال الخطابي ومنه قوله تعالي: «فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ»[41]، واحتج أصحابنا بالرواية السابقة «فأكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ»[42]، هو تفسير لـ «اقدروا له»، ولهذا لم يجتمعا في رواية، بل تارة يذكر هذا، وتارة يذكر هذا، وتؤيده الرواية السابقة «فاقدروا ثلاثين»[43]، وعن أبي البختري قال: «أهللنا رمضان ونحن بذات عرق فأرسلنا رجلًا إلى ابن عباس يسأله؛ فقال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالي قد أمده لرؤيته؛ فإن أغمي عليكم فأكملوا العدة»[44].
صوم يوم الجمعة: ويكره أن يصوم يوم الجمعة وحده، فإن وصله بيوم قبله، أو بيوم بعده، أو وافق عادة له؛ بأن نذر صوم يوم شفاء مريضه، أو قدوم زيد أبدًا؛ فوافق الجمعة لم يكره؛ لما روى أبو هريرة t أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ»[45]،وعن جويرية بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله عنها «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ؛ فَقَالَ: أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ قَالَتْ: لَا. قَالَ: فَأَفْطِرِي»[46].
إفراد يوم السبت: يكره إفراد يوم السبت بالصوم؛ فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره. صرح بكراهة إفراده أصحابنا منهم: الدارمي والبغوي، والرافعي، وغيرهم لحديث عبد الله بن بسر عن أخته الصماء رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا عُودَ عِنَبٍ أَوْ لِحَاءِ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْه»[47].
صوم يوم الفطر ويوم النحر: ولا يجوز صوم يوم الفطر ويوم النحر؛ فان صام فيه لم يصح، لما روى عمر رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام هدين اليومين؛ أما يوم الاضحى فتأكلون من لحم نسككم، وأما يوم فطركم من صيامكم[48]»، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلمنَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْأَضْحَى، وَيَوْمِ الْفِطْرِ»[49].
وأجمع العلماء على تحريم صوم يومي العيدين الفطر والأضحى لهذه الأحاديث.
فإن صام فيهما لم يصح صومه، وإن نذر صومهما لم ينعقد نذره، ولا شئ عليه عندنا وعند العلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال: ينعقد نذره، ويلزمه صوم يوم غيرهما، قال: فإن صامهما أجزأه، مع أنه حرام، ووافق على أنه يصح صومهما عن نذر مطلق.
أيام التشريق: لا يجوز أن يصوم أيام التشريق صومًا غير صوم التمتع، فإن صام لم يصح صومه، لما روى نبيشة ـ بضم النون وفتح الباء الموحدة ثم ياء مثناة تحت ساكنة ثم شين معجمةـ الصحابي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أيَّامُ التَّشريقِ أيَّامُ أَكْلٍ وشُربٍ وذِكْرٍ للَّهِ عزَّ وجلَّ»[50].
وعن كعب بن مالك رضي الله عنه «أنَّ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَهُ وَأَوْسَ بنَ الحَدَثَانِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَنَادَى أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»[51].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب»[52].
مسألة: هل يجوز للمتمتع صومه؟ فيه قولان: والارجح في الدليل صحتها للمتمتع وجوازها له؛ لما روى عن ابن عمر وعائشة أنهما قالا: «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ»[53].
وفى البخاري عنهما قالا: «الصِّيَامُ لِمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أَيَّامَ مِنًى»[54]، فالرواية الأولى مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنها بمنزلة قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، ورخص لنا في كذا، وكل هذا وشبهه مرفوع إلى رسول الله e بمنزلة قوله: قال e، وقال أصحابنا الذين حكوا هذا الوجه: إنما يجوز في هذه الأيام صوم له سبب من قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو تطوع له سبب، أما تطوع لا سبب له فلا يجوز فيها بلا خلاف.
[19] صحيح مسلم – كتاب صلاة المسافرين وقصرها – باب استحباب صلاة الضحى – ح (721).
[20] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب استحباب ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس – ح (1160).
[21] سنن الترمذي – الصوم – باب ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر – ح (761)، مسند الإمام أحمد بن حنبل – مسند الأنصار – حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه – ح (21437).
[22] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب صوم يوم وإفطار يوم – ح (1877).
[23] سنن أبي داوود – أول كتاب الصوم – باب في صوم الاثنين والخميس – ح (2436)، مسند أحمد بن حنبل – تتمة مسند الأنصار – حَدِيثُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ حِبِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – ح (21781).
[24] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب استحباب ثلاثة أيام من كل شهر وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس – ح (1162).
[25] سنن أبي داوود – أول كتاب الصوم – باب في صوم أشهر الحُرُم – ح (2428).
[26] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب فضل صوم المحرم – ح (1163).
[27] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب صيام النبي e في غير رمضان واستحباب أن لا يخلى شهرا عن صوم – ح (1156).
[28] سنن أبي داوود – أول كتاب الصوم – باب في فطره – ح (2438)، سنن ابن ماجه – أبواب الصيام – بَابُ صِيَامِ الْعَشْرِ – ح (1727).
[29] سنن أبي داوود – أول كتاب الصوم – باب في صوم العشر – ح (2437).
[30] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب من أقسم على أخيه ليفطر في التطوع ولم ير عليه قضاء إذا كان أوفق له – ح (1867).
[31] صحيح البخاري – كتاب النكاح – باب لا تأذن المرأة في بيتها لأحد إلا بإذنه – ح (4899).
[32] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلا من غير عذر – ح (1154).
[35] صحيح البخاري – كتاب الأدب – باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره – ح (5672)، صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان – ح (47).
[47] سنن أبي داوود – أول الصوم – باب النهي أن يُخَصَّ يوم السبت بصومٍ – ح (2421)، مسند الإمام أحمد بن حنبل – مسند الشاميين – حَدِيثُ الصماء بِنْتِ بُسْرٍ – ح (27075).