شهر رمضان ليس كغيره من الشهور، فهو شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدىً للناس. وقد أعدَّ الله تعالى لصيامه من الأجر والثواب ما لم يجعله لسواه. فعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))[1].
إنه شهر المغفرة، والتوبة، والعتق من النار، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم: ((مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))[2] ومن هنا، يتوجب علينا أن نولي الاستعداد الحقيقي لاستقبال هذا الشهر العظيم أهميةً كبرى، وأن نُهيِّئ نفوسنا للاستفادة منه، عسى أن يتحقق فينا قول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))[3].
والعاقل هو من يعرف ما يريد، ويُحسن الاستعداد له. فالذي يريد سفرًا يُعِدُّ عُدَّته، ويتهيأ له بما يناسب غايته. والذي يريد شراء شيءٍ يدَّخر المال، ويبحث عن حاجته في مظانِّها، ويتعرّف على أسعارها قبل الإقدام عليها. أما من يريد سفرًا فيركب سيارته بلا وقود، ولا زاد، ولا استعداد، ثم يمضي بلا هُدى، فليس بعاقل، بل هو فوضويٌّ مهمل؛ إذ إن الغايات لا تُدرك بمثل هذا. وقد قال الله تعالى: ((وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً))[4].
لذا، فإن من أهم ما ينبغي أن نستعدَّ به لاستقبال رمضان هو إدراك مقاصد الصيام التي نصَّ الله تعالى عليها، وبيَّنها رسولُه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم. ويمكن إجمال هذه المقاصد في: تحقيق التقوى، وشكر الله على النعمة بعد الإحساس بفقدها، والوقاية من الذنوب والآثام، والنجاة من النار، وتزكية النفوس، وتقوية الإرادة، وغيرها من المقاصد العظيمة.
وإدراك هذه المقاصد يقتضي أن يعرض الإنسان أعماله في رمضان عليها، فيسأل نفسه: هل يحقق فعله هذه الغايات؟ فإن وجد ذلك، فليستمسك بما هُدي إليه، وإن وجد غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا نفسه إن خرج من رمضان كما دخله، بلا تغيير إلى الأفضل، أو خرج منه غير مغفور له. عَنْ جَابِرٍ قَالَ : صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ : ((آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ : أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ : آمِينَ، قَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ، فَمَاتَ، فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأُدْخِلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ : آمِينَ، قَالَ : وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ : آمِينَ ))[5]. فعلى العاقل أن يتدارك ما يمكن تداركه.
ومما نتهيأ به لاستقبال الشهر العظيم:
التلهف لاستقبال رمضان: يجب أن نكون متلهفين لاستقبال رمضان، لا متأففين من قربه. يجب أن نفرح بعباداته، ونؤمن بأن ما أعدَّ الله فيه من الخير والمغفرة أعظم من أن يعوقه طول النهار أو مشقة الصيام للقادر عليه. وليعلم المسلم أن المنافقين – عافانا الله من صفاتهم – كانوا يؤدون العبادات تكاسلًا وتأففًا، كما قال تعالى: ((وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى))[6] أما المؤمنون فيفرحون بفضل الله ورحمته: ((قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا))[7].
تذكُّر قِصر العمر: يجب أن نتذكر قِصر العمر، وإمكان انقضائه في أي لحظة، وأن اغتنام هذه الفرصة نعمةٌ لا تُعوَّض. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ))[8].
العزم الصادق على أداء العبادات: يجب أن نعزم على أداء العبادات أداءً كاملًا، وعمارة أوقات رمضان بالطاعات دون تقصير، مع طلب العون من الله تعالى، فقد جاء في الحديث القدسي فيما رواه أبو هريرة عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قالَ: ((قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا، كَتَبْتُهَا له حَسَنَةً، فإنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وإذَا هَمَّ بسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ أَكْتُبْهَا عليه، فإنْ عَمِلَهَا كَتَبْتُهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً))[9]. وقال تعالى: ((فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ))[10].
العزم على التوبة الصادقة: يجب أن نعزم على التوبة الصادقة من كل ذنب، والاستعانة بالله تعالى بالصبر والصلاة، والثبات على التوبة وعدم الرجوع إلى المعصية.
لكن ما الفائدة من الاستعداد إن بقي الإنسان في مكانه لا يتحرك؟ لذا، لا ينبغي الوقوف عند حدِّ التهيؤ، بل لا بد من برنامج عملي في رمضان نحقق به أهدافنا. ومن ذلك مثلًا:
مراجعة ما حُفِظ من القرآن، والسعي لإضافة أجزاء جديدة.
الحرص على ختم القرآن تلاوةً، منفردًا أو مع أهل البيت أو المسجد.
العزم على الصدقة في رمضان اقتداءً برسول الله ﷺ.
محاسبة النفس يوميًا: هل يقرّبني عملي من هدفي في هذا الشهر؟
تجنب إضاعة الوقت في اللهو، ومجالس اللغو، وأمام الشاشات بلا فائدة.
المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد القريب.
المحافظة على السنن الرواتب.
الالتزام بالأذكار والأدعية الثابتة عن النبي ﷺ.
صلة الرحم وبرّ الأقارب.
إعانة الآخرين على طاعة الله بما يُستطاع.
لماذا خُصَّ الصيام بقوله تعالى: «الصيام لي وأنا أجزي به»؟
ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله، نقلًا عن أهل العلم، عشرة أوجه في بيان معنى هذا الحديث، وسبب اختصاص الصيام بهذا الفضل العظيم. ومن أهم هذه الأوجه ما يأتي:
أولًا: أن الصيام لا يدخل فيه الرياء كما يدخل في غيره من الأعمال؛ قال القرطبي رحمه الله: لما كانت الأعمال قد يدخلها الرياء، وكان الصوم لا يطَّلع عليه بمجرد فعله إلا الله، أضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: «يدع شهوته من أجلي».
ثانيًا: أن معنى قوله تعالى: «وأنا أجزي به» أي: أن الله سبحانه ينفرد بعلم مقدار ثوابه، وما فيه من تضعيفٍ للحسنات على وجهٍ لا يعلمه غيره.
ثالثًا: أن معنى قوله: «الصيام لي» أي: أنه أحب العبادات إلى الله، وأعلاها منزلةً عنده. وقد روى النسائي عن أبي أمامة رضي الله عنه ((أنه سأل رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أيُّ العملِ أفضلُ؟ قال: عليكَ بالصومِ فإنه لا عِدلَ له))[13].
رابعًا: أن هذه الإضافة هي إضافة تشريف وتعظيم، كما يُقال: بيت الله، مع أن البيوت كلها لله[14].
صيام القلوب والجوارح
احرص، أخي المسلم، على أن يكون صيامك صيام قلبٍ وجوارح، لا مجرد صيام عن الطعام والشراب. هل تريد من صيامك الامتناع عن المفطرات الحسية فقط؟ أم تريد صيام القلب، الذي يدّعيه البعض بينما أفعالهم تناقضه ولا تدل عليه؟
إن المطلوب منا جميعًا أن تصوم قلوبنا عن المحرمات والقبائح، وتصوم جوارحنا عن المفطرات، وعن آكلات الحسنات؛ من كذبٍ وغيبةٍ ونميمةٍ، ونظرٍ محرّم.
إبراز فوائد الصيام للمجتمع
تزداد الحاجة إلى إبراز الفوائد الروحية والطبية والسلوكية للصيام، ولا سيما في بلاد الغرب التي نعيش فيها، حيث يكثر الطعن في الإسلام والمسلمين وتصوير الدين على أنه مقيِّد للحريات، محارب للشهوات والملذات.
واجبنا أن نُظهر عظمة هذه العبادة من خلال آثارها الإيجابية في حياتنا، لا أن نُعزِّز الصورة السلبية بإظهار الضعف والخمول والكسل أثناء الصيام، خاصة في الأيام الصيفية الطويلة.
الصيام مشروع عند غير المسلمين
قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))[15].
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ عليه السَّلَامُ، وأَحَبُّ الصِّيَامِ إلى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وكانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ ويقومُ ثُلُثَهُ، ويَنَامُ سُدُسَهُ، ويَصُومُ يَوْمًا، ويُفْطِرُ يَوْمًا))[16].
وقد قدم النبي ﷺ المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ((قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ فَصُومُوا))[17]
اتخذ لك شعارًا في رمضان
أريد عتق رقبتي من النار.
أريد مغفرة ذنوبي.
المحافظة على السنن والفضائل.
التعود على أداء الفرائض في أوقاتها.
تحقيق الأخوّة في الله.
كفُّ اللسان عن أذى الآخرين.
——————————-
[1] صحيح البخاري – كتاب الصوم – بَاب هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ إِذَا شُتِمَ – ح (1771)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب فضل الصيام – ح (1151).
[2] صحيح البخاري – كتاب الإيمان – باب صوم رمضان احتسابا من الإيمان – ح (38)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح – ح (760).
[8] المستدرك على الصحيحين – الحاكم النيسابوري – كتاب الرقاق – ح (7927)، شعب الإيمان – البيهقي – الحادي و السبعون من شعب الإيمان و هو باب في الزهد و قصر الأمل – ح (10248).
[9] صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب – ح (128).
[16] صحيح البخاري – أبواب التهجد – باب من نام عند السحر – ح (1079)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به أو فوت به حقا أو لم يفطر العيدين والتشريق وبيان تفضيل صوم يوم وإفطار يوم – ح (1159).
[17] صحيح البخاري – كتاب التفسير – باب تفسير سورة يونس – ح (4403).