تعريف الصيام: في اللغة: الإمساك ويستعمل في كل إمساك، يقال: صام إذا سكت، وصامت الخيل: وقفت
وفى الشرع: امساك مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص من شخص مخصوص.
هل يقال رمضان؟ يقال رمضان وشهر رمضان هذا هو الصحيح الذي ذهب إليه البخاري والمحققون قالوا ولا كراهة في قول رمضان، وإنما تثبت الكراهة بنهي الشرع ولم يثبت فيه نهي.
وقد ثبتت أحاديث كثيرة في الصحيحين في تسميته رمضان من غير شهر في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاءَ رَمَضانُ: فُتِّحَتْ أبْوابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أبْوابُ النَّارِ، وصُفِّدَتِ الشَّياطِينُ»[1]، وفي رواية: «إذا دخل رمضان»[2]، وفي رواية ثالثة: «إذا كان رمضان»[3].
من فضائل شهر رمضان
ثبت في صحيح البخاري ومسلم عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ»[4]، معناه لا ينقص أجرهما والثواب المرتب وإن نقص عددهما، ومعناه أن قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[5]، ونظائر ذلك فكل هذه الفضائل تحصل سواء تم عدد رمضان أم نقص.
تطور تشريع الصيام: عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «أحيل الصيام ثلاثة أحوال» وذكر الحديث قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ويصوم يوم عاشوراء؛ فأنزل الله تعالى«كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم([6] فكان من شاء أن يصوم ومن شاء أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينا أجزأه ذلك فأنزل الله تعالى: «شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»
[7]، فثبت الصيام على من شهد الشهر وعلى المسافر أن يقضي وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز اللذين لا يستطيعان الصوم«[8]، ورواه البيهقي بمعناه ولفظه: «فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام بعد ما قدم المدينة فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام وصام عاشوراء فصام سبعة عشر شهرًا: شهر ربيع إلى شهر ربيع إلى رمضان، ثم إن الله تعالى فرض عليه شهر رمضان وأنزل عليه «كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم»[9] وذكر باقي الحديث.
قال سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: «لَمَّا نَزَلَتْ:«وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ( كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا»[10] وفي رواية «كُنَّا في رَمَضَانَ علَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، مَن شَاءَ صَامَ وَمَن شَاءَ أَفْطَرَ فَافْتَدَى بطَعَامِ مِسْكِينٍ، حتَّى أُنْزِلَتْ هذِه الآيَةُ:«فمن شهد منكم الشهر فليصمه»[11].
قال أصحابنا وغيرهم: كان أول الإسلام يحرم على الصائم الأكل والشرب والجماع من حين ينام أو يصلي العشاء الآخرة فأيهما وجد أولًا حصل به التحريم ثم نسخ ذلك وأبيح الجميع إلى طلوع الفجر سواء نام أم لا، واحتجوا بحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ قَالَتْ لَا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:«أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ» فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا وَنَزَلَتْ:«وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ»[12] .
الفصل الثاني: فرضية الصيام وأنواعه
أنواع الصيام
1) الصوم الواجب، وهو نوعان:
ما فرضه الله تعالى وهو رمضان.
ما أوجبه المسلم على نفسه كالنذر أو وجب عليه بسبب فعله مثل الكفارات.
2) الصوم الحرام.
3) الصوم المكروه.
4) صوم التطوع.
الصوم الواجب: الصيام الواجب هو: رمضان ولا يجب صوم غير رمضان بأصل الشرع بالإجماع، وقد يجب بنذر، وكفارة، وجزاء الصيد، ونحوه، ودليل الإجماع: قوله صلى الله عليه وسلم حين سأله الأعرابي عن الإسلام فقال: «وَصِيَامُ رَمَضَانَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»[13] .
حكم صيام رمضان والدليل عليه: صوم رمضان ركن من أركان الإسلام وفرض من فروضه، ودلائل الكتاب والسنة والإجماع متظاهرة عليه، واجمعوا على أنه لا يجب غيره.
روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَصَوْمِ رَمَضَانَ»[14].
على من يجب: يجب الصيام على كل: مسلم، بالغ، عاقل، طاهر، قادر، مقيم.
وهذا تفصيل كل شرط من الشروط
الشرط الأول: الإسلام: أما الكافر فإنه إن كان أصليًا لم يخاطب في حال كفره أي لم نطالبه بفعله وليس المراد أنه ليس بواجب في حال كفره فإن المذهب الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع في حال كفرهم بمعنى أنهم يزاد في عقوبتهم في الآخرة بسبب ذلك ولكن لا يطالبون بفعلها في حال كفرهم لأنه لا يصح منه.
مسألة: إن أسلم لم يجب عليه القضاء: لقوله تعالى: «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف»[15]، ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيرًا عن الإسلام.
مسألة: لو صام في كفره لم يصح بلا خلاف سواء أسلم بعد ذلك أم لا.
وإما إن كان مرتدًا فإنه لا يطالب به في حال الردة: لأنه لا يصح منه، وليس المراد أنه ليس واجبًا عليه؛ فإنه واجب عليه بلا خلاف في حال الردة، ويأثم بتركه في حال الردة بلا خلاف، فإن أسلم وجب عليه قضاء ما تركه في حال الكفر لأنه التزم ذلك بالإسلام فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين.
الشرط الثاني: البلوغ: أما الصبي فلا يجب عليه لقوله صلى الله عليه وسلم «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ»[16]، ويؤمر بفعله لسبع سنين إذا اطاق الصوم.
وإن بلغ لم يجب عليه قضاء ما تركه في حال الصغر لأنه: لو وجب ذلك لوجب عليه اداؤه في حال الصغر لأنه يقدر على فعله، ولأن أيام الصغر تطول فلو أوجبنا عليه قضاء ما يفوت شق.
الشرط الثالث: العقل: المجنون لا يلزمه الصوم في الحال بالإجماع للحديث وللإجماع
مسألة: إذا أفاق لا يلزمه قضاء ما فاته في الجنون سواء قل أو كثر وسواء أفاق بعد رمضان أو في أثنائه.
مسألة: المغمى عليه لا يلزمه الصوم في حال الإغماء بلا خلاف ويجب القضاء على المغمى عليه سواء استغرق جميع رمضان أو بعضه.
مسألة: إن أسلم الكافر أو افاق المجنون في أثناء يوم من رمضان استحب له امساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يلزمه ذلك ولا يأكل عند من لا يعرف عذره لأنه إذا تظاهر بالأكل عرض نفسه للتهمة.
مسألة: إن بلغ الصبي صائما في أثنائه لزمه إتمامه على المنصوص وهو الأصح باتفاق الأصحاب.
الشرط الرابع الطهارة من الحيض والنفاس: لا يصح صوم الحائض والنفساء ولا يجب عليهما ويحرم عليهما ويجب قضاؤه وهذا كله مجمع عليه.
مسألة: لو أمسكت لا بنية الصوم لم تأثم وإنما تأثم إذا نوته وإن كان لا ينعقد.
مسألة: إذا طهرت في أثناء النهار يستحب لها إمساك بقيته ولا يلزمها هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور
مسألة: وجوب قضاء الصوم على الحائض والنفساء انما هو بأمر مجدد وليس واجبًا عليها في حال الحيض والنفاس هذا هو المذهب وبه قطع الجمهور.
الشرط الخامس: القدرة على الصيام: من لا يقدر على الصوم بحال وهو الشيخ الكبير والمرأة العجوز الذي يجهدهما الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه فانه لا يجب عليهم الصوم بلا خلاف لقوله عز وجل: «وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ»[17]، ونقل ابن المنذر الإجماع فيه.
مسألة: المريض العاجز عن الصوم لمرض يرجى زواله لا يلزمه الصوم في الحال، ويلزمه القضاء هذا إذا لحقه مشقة ظاهرة بالصوم ولا يشترط أن ينتهي إلى حالة لا يمكنه فيها الصوم بل قال أصحابنا: شرط إباحة الفطر أن يلحقه بالصوم مشقة يشق احتمالها.
مسألة: المرض اليسير الذي لا يلحق به مشقة ظاهرة لم يجز له الفطر بلا خلاف عندنا خلافا لأهل الظاهر.
مسألة: المرض المجوز للفطر إن كان مطبقا فله ترك النية بالليل وإن كان يحم وينقطع ووقت الحمى لا يقدر على الصوم، وإذا لم تكن حمى يقدر عليه فإن كان محموما وقت الشروع في الصوم فله ترك النية وإلا فعليه أن ينوي من الليل ثم إن عاد المرض واحتاج إلى الفطر أفطر.
مسألة: إذا أصبح الصحيح صائمًا ثم مرض جاز له الفطر بلا خلاف.
مسألة: من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك لزمه الفطر وإن كان صحيحًا مقيمًا لقوله تعالي: «وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا»[18] ، وقوله تعالى:«وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»[19] ويلزمه القضاء كالمريض.
مسألة: إذا أوجبنا الفدية علي الشيخ والمريض الميؤوس من برئه وكان معسرًا هل يلزمه إذا أيسر أم يسقط عنه؟ والأصح أنها تسقط ولا يلزمه إذا أيسر كالفطرة لأنه عاجز حال التكليف بالفدية.
مسألة: إذا أفطر الشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه ثم قدر على الصوم فهل يلزمه قضاء الصوم؟ قال البغوي ونقله القاضي حسين: أنه لا يلزمه لأنه لم يكن مخاطبًا بالصوم بل بالفدية.
مسألة: لا يجوز للشيخ العاجز والمريض الذي لا يرجى برؤه تعجيل الفدية قبل دخول رمضان، ويجوز بعد طلوع فجر كل يوم، وهل يجوز قبل الفجر في رمضان؟ قطع الدارمي بالجواز وهو الصواب.
الشرط السادس: الإقامة: لا يجوز الفطر في رمضان في سفر معصية بلا خلاف ولا في سفر آخر دون مسافة القصر بلا خلاف
إن كان سفره فوق مسافة القصر وليس معصية فله الفطر في رمضان بالإجماع مع نص الكتاب والسنة، قال الشافعي والأصحاب: له الصوم وله الفطر، وأما أفضلهما فقال الشافعي والأصحاب: إن تضرر بالصوم فالفطر أفضل وإلا فالصوم أفضل.
مسألة: إذا أفطر المسافر لزمه القضاء ولا فدية قال الله تعالى: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر»[20]معناه وأراد الفطر فله الفطر وعليه عدة من أيام أخر.
مسألة: لو أصبح في أثناء سفره صائمًا ثم أراد أن يفطر في نهاره فله ذلك من غير عذر، نص عليه الشافعي وقطع به جميع الأصحاب، لأن العذر قائم فجاز له أن يفطر كما لو صام المريض ثم أراد أن يفطر.
مسألة: إذا سافر المقيم فهل له الفطر في ذلك اليوم له أربعة أحوال:
الأولأن يبدأ السفر بالليل ويفارق عمران البلد قبل الفجر فله الفطر بلا خلاف.
الثاني أن لا يفارق العمران إلا بعد الفجر فمذهب الشافعي المعروف من نصوصه وبه قال مالك وأبو حنيفة ليس له الفطر في ذلك اليوم.
الثالث أن ينوي الصيام في الليل ثم يسافر ولا يعلم هل سافر قبل الفجر أو بعده، قال الصيمري والماوردي وصاحب البيان وغيرهم: ليس له الفطر لأنه يشك في مبيح الفطر ولا يباح بالشك.
الرابع أن يسافر من بعد الفجر ولم يكن نوى الصيام، فهذا ليس بصائم لإخلاله بالنية من الليل فعليه قضاؤه، ويلزمه الإمساك هذا اليوم لأن حرمته قد ثبتت بطلوع الفجر وهو حاضر.
مسألة: إن قدم المسافر وهو مفطر أو برأ المريض وهو مفطر استحب لهما امساك بقية النهار لحرمة الوقت ولا يجب ذلك لأنهما أفطرا بعذر ولا يأكلان عند من لا يعرف عذرهما لخوف التهمة والعقوبة.
مسألة: إن قدم المسافر وهو صائم أو برأ المريض وهو صائمفهل لهما أن يفطرا؟ فيه وجهان: وأصحهما عند القاضي أبي الطيب وجمهور الأصحاب لا يجوز وهو قول أبى اسحق.
مسألة: لو نوى المسافر الإقامة في بلد بحيث تنقطع رخصه ففيه الوجهان السابقان.
مسألة: لو قدم المسافر ولم يكن نوى من الليل صومًا ولا أكل في نهاره قبل، له الأكل لأنه مفطر لعدم النية من الليل؛ فجاز له الأكل كالمفطر بالأكل قدومه وبه قطع القاضي أبو الطيب في المجرد والدارمي والماوردي وآخرون ونقله الماوردي عن نصه في الأم:
مسألة: لا يجوز للمسافر ولا للمريض أن يصوما في رمضان غيره من قضاء أو نذر أو كفارة أو تطوع، فإن صام شيئًا من ذلك لم يصح صومه لا عن رمضان ولا عما نوى ولا غيره هذا مذهبنا وبه قال مالك وأحمد وجمهور العلماء.
مسألة: إذا قدم المسافر في أثناء نهار وهو مفطر فوجد امرأته قد طهرت في أثناء النهار من حيض أو نفاس أو برأت من مرض وهي مفطرة فله وطؤها ولا كفارة عليه عندنا بلا خلاف لأنهما مفطران فأشبه المسافرين والمريضين.
مسألة: إذا دخل على الإنسان شهر رمضان وهو مقيم جاز له أن يسافر ويفطر، هذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد والعلماء كافة لقوله تعالى: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر»[21] وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في غزوة الفتح في رمضان مسافرًا وأفطر[22] .
السفر المجوز للفطر: مذهبنا: أنه ثمانية وأربعون ميلًا بالهاشمي وهذه المراحل مرحلتان قاصدتان وبهذا قال مالك وأحمد.
جواز الصوم والفطر للمسافر: مذهبنا جوازهما وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم قال العبدرى: هو قول العلماء.
وأدلتنا على جواز الصوم والفطر ما يأتي:
عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو رضي الله عنه قال للنبيصلى الله عليه وسلم: «أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ؛ فَقَالَ:«إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»[23] .
وعن حمزة بن عمرو رضي الله عنه أنه قال: «يا رَسولَ اللهِ، أَجِدُ بي قُوَّةً علَى الصِّيَامِ في السَّفَرِ، فَهلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هي رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ، فمَن أَخَذَ بهَا، فَحَسَنٌ وَمَن أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فلا جُنَاحَ عليه»[24] .
وعن أنس رضي الله عنه قال: «أنَّ أَصْحَابَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانُوا يُسَافِرُونَ، فلا يَعِيبُ الصَّائِمُ علَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ علَى الصَّائِمِ»[25].
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَغْزُو مع رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَجِدُ الصَّائِمُ علَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ علَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أنَّ مَن وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فإنَّ ذلكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أنَّ مَن وَجَدَ ضَعْفًا، فأفْطَرَ فإنَّ ذلكَ حَسَنٌ»[26].
وأما الأحاديث التي وردت في النهي عن الصوم في السفر أو كراهته فمحمولة على من يتضرر بالصوم وفى بعضها التصريح بذلك.
من أطاق الصوم في السفر بلا ضرر هل الأفضل صومه في رمضان أم فطره؟ مذهبنا أن صومه أفضل، وبه قال حذيفة بن اليمان وأنس بن مالك، وعثمان بن العاص رضي الله عنهم، وعروة بن الزبير، والأسود بن يزيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وسعيد بن جبير، والنخعي، والفضيل بن عياض، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، وعبد الله بن المبارك، وأبو ثور، وآخرون.
واحتج أصحابنا بحديث أبي الدرداء السابق[27] في صيام النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة، وبحديث أبي سعيد السابق: «كُنَّا نَغْزُو مع رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ»[28]، إلى آخره، وهذان الحديثان هما المعتمد في المسألة.
صيامالحامل والمرضع: إن خافت الحامل والمرضع على أنفسهما أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة لأنهما أفطرتا للخوف على أنفسهما، فوجب عليهما القضاء دون الكفارة كالمريض وهذا كله لا خلاف فيه.
إن خافت الحامل والمرضع على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء بدلًا عن الصوم بلا خلاف، وفى الكفارة ثلاثة أوجه:
قال في الأم يجب عن كل يوم مد من الطعام وهو الصحيح باتفاق الأصحاب وجوبها كما صححه المصنف وهو المنصوص في الأم والمختصر وغيرهما لقوله تعالي )وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ([29]. قال ابن عباس: نسخت هذه الآية، وبقيت للشيخ الكبير، والعجوز، والحامل، والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا كل يوم مسكينًا.
أن الكفارة مستحبة غير واجبة، وهو قول المزني لأنه إفطار بعذر فلم تجب فيه الكفارة كإفطار المريض.
يجب على المرضع دون الحامل؛ لأن الحامل أفطرت لمعنى فيها فهي كالمريض، والمرضع أفطرت لمنفصل عنها فوجب عليها الكفارة.
مسألة: إذا أوجبنا الفدية فإنها لا تتعدد بتعدد الأولاد وهذا هو الأصح وبه قطع البغوي.
مسألة: إذا أوجبنا الفدية على المرضع إذا أفطرت للخوف على ولدها فلو استؤجرت لإرضاع ولد غيرها فالصواب الذي قطع به القاضي حسين في فتاويه وصاحب التتمة وغيرهما أنه يجوز لها الإفطار وتفدي كما في ولدها، بل قال القاضي حسين يجب عليها الإفطار إن تضرر الرضيع بالصوم واستدل صاحب التتمة بالقياس على السفر فإنه يستوي في جواز الإفطار به من سافر لغرض نفسه وغرض غيره بأجرة.
مسألة: لو كانت المرضع والحامل مسافرة أو مريضة فأفطرت بنية الترخص بالمرض أو السفر فلا فدية عليها بلا خلاف، وان لم تقصد الترخص أفطرت للخوف على الولد لا على نفسها ففي وجوب الفدية وجهان والأصح لا كفارة.
الحامل والمرضع إذا خافتا فأفطرتا: مذهبنا أنهما إن خافتا على أنفسهما لا غير، أو على أنفسهما، وولدهما أفطرتا، وقضتا، ولا فدية عليهما بلا خلاف.
وإن أفطرتا للخوف على الولد أفطرتا وقضتا والصحيح وجوب الفدية.
الفصل الثالث: متى يجب صوم رمضان وكيفية إثباته
لا يجب صوم رمضان الا برؤية الهلال؛ فان غم عليهم وجب عليهم أن يستكملوا شعبان ثم يصوموا لما يأتي:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا؛ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»[30] وفي رواية لمسلم: «فاقْدِرُوا ثَلاثِينَ»[31]، وفي رواية: «فإنْ غُمَّ علَيْكُم فَصُومُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا»[32]، وفي رواية: «فإنْ أُغْمِيَ علَيْكُم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ»[33] هذه الروايات كلها في صحيح مسلم وفي رواية البخاري: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ»[34].
عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتحفظُ من شعبانَ ما لا يتحفظُ من غيرِه، ثم يصومُ لرؤيةِ رمضانَ، فإنْ غُمَّ عليه عَدَّ ثلاثين يومًا ثم صام»[35].
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجمهور السلف والخلف: معناه قدروا له تمام العدد ثلاثين يومًا، وأدلة هذا القول الروايات التي ذكرناها وكلها صحيحة صريحة فأكملوا العدة ثلاثين وهي مفسرة لرواية فاقدروا له المطلقة قال الجمهور: ومن قال بتقدير تحت السحاب فهو منابذ لصريح باقي الروايات وقوله مردود ومن قال بحساب المنازل فقوله مردود بقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا»[36] الحديث. قالوا: ولأن الناس لو كلفوا بذلك ضاق عليهم لأنه لا يعرف الحساب إلا أفراد من الناس في البلدان الكبار؛ فالصواب ما قاله الجمهور وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث.
بم يثبت الشهر؟ هل بشهادة عدل أم عدلين؟ فيه الخلاف المشهور.
مسألة: إن أصبحوا يوم الثلاثين وهم يظنون أنه من شعبان فقامت البينة أنه من رمضان وجب قضاؤه بلا خلاف لأنه بان أنه من رمضان.
في المسألة السابقة:هل يلزمهم امساك بقية النهار؟ فيه قولان: لا يلزمهم لأنهم أفطروا بعذر فلم يلزمهم إمساك بقية النهار كالحائض إذا طهرت والمسافر إذا أقام يلزمهم لحرمة اليوم، ولأنه أبيح لهم الفطر بشرط أنه من شعبان وقد بان أنه من رمضان فلزمهم الامساك
في المسألة السابقة:إذا أوجبنا الإمساك فأمسك فهل هو صوم شرعي أم لا؟ فيه وجهان حكاهما صاحب الحاوي والمحاملي وصاحب الشامل وآخرون واتفقوا على أن الصحيح أنه ليس بصوم شرعي. قال صاحب الحاوي قال أبو اسحق المروزي: يسمى صومًا شرعيًا قال وقال أكثر أصحابنا: ليس هو بصوم شرعي وإنما هو إمساك شرعي لأنه لا يجزئه عن صوم رمضان ولا عن غيره بلا خلاف ويثاب على إمساكه
مسألة: إن رأوا الهلال بالنهار فهو لليلة المستقبلة سواء رأوه قبل الزوال أو بعده هذا مذهبنا لا خلاف فيه وبه قال أبو حنيفة ومالك ومحمد لما روى شقيق بن سلمه قال «جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ، وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ: إِنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَعْظَمُ مِنْ بَعْضٍ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ لأَوَّلِ النَّهَارِ، فَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلاَنِ ذَوَا عَدْلٍ أَنَّهُمَا أَهَلاَّهُ بِالأَمْسِ عَشِيَّةً»[37].
مسألة: إن رأوا الهلال في بلد ولم يروه في آخر: فإن كانا بلدين متقاربين فحكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف.
وإن كانا متباعدين وجب على من رأى ولم يجب على من لم ير، لما روى كريب قال: «…. فَقَدِمْتُ الشَّامَ، فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الهِلَالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، ثُمَّ ذَكَرَ الهِلَالَ، فَقالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الهِلَالَ؟ فَقُلتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، فَقالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فَقالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلا نَزَالُ نَصُومُ حتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلتُ: أَوَلَا تَكْتَفِي برُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقالَ: لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسولُ اللهِ «صلى الله عليه وسلم[38].
بم يعتبر به البعد والقرب؟ يختلف التباعد باختلاف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان والتقارب أن لا يختلف كبغداد والكوفة والري وقزوين لأن مطلع هؤلاء مطلع هؤلاء، فإذا رآه هؤلاء فعدم رؤيته للآخرين لتقصيرهم في التأمل أو لعارض بخلاف مختلفي المطلع وهذا هو الأصح وبه قطع جمهور العراقيين والصيدلاني.
مسألة: لو شك في اتفاق المطالع: لم يلزم الذين لم يروا الصوم لأن الأصل عدم الوجوب، ولأن الصوم إنما يجب بالرؤية للحديث ولم تثبت الرؤية في حق هؤلاء لعدم ثبوت قربهم من بلد الرؤية.
إذا رأى الهلال أهل بلد دون غيرهم: مذهبنا: إن كانا بلدين متقاربين فحكمهما حكم بلد واحد ويلزم أهل البلد الآخر الصوم وإلا فلكل بلد رؤيته
لو شرع في الصوم في بلد ثم سافر إلى بلد بعيد لم يروا فيه الهلالحين رآه أهل البلد الأول فاستكمل ثلاثين من حين صام: إن قلنا: لكل بلد حكم نفسه فوجهان: أصحهما: يلزمه الصوم معهم لأنه صار منه، والثاني: يفطر لأنه التزم حكم الأول.
وإن قلنا: تعم الروية كل البلاد لزم أهل البلد الثاني موافقته في الفطر إن ثبت عندهم رؤية البلد الأول بقوله أو بغيره وعليهم قضاء اليوم الأول وإن لم يثبت عندهم لزمه هو الفطر كما لو رأى هلال شوال وحده ويفطر سرًا.
مسألة: لو سافر من بلد لم يروا فيه إلي بلد رؤى فيه فعيدوا اليوم التاسع والعشرين من صومه: إن عممنا الحكم أو قلنا له حكم البلد الثاني عيد معهم، ولزمه قضاء يوم وإن لم نعمم الحكم وقلنا له حكم البلد الأول لزمه الصوم.
مسألة: لو رأى الهلال في بلد وأصبح معيدا معهم فسارت به سفينة إلى بلد في حد البعد فصادف أهلها صائمين: قال الشيخ أبو محمد: يلزمه إمساك بقية يومه إذا قلنا لكل بلد حكم نفسه
الشهادة التي يثبت بها رؤية هلال شهر رمضان: في القديم والجديد يقبل من عدل واحد، وهو الصحيح لما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: «تراءَى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ النبيَّ r أني رأيتُه، فصام وأمر الناسَ بالصيامِ»[39]، ولأنه إيجاب عبادة فقبل من واحد احتياطًا للفرض.
يشترط لفظ الشهادة ويختص بمجلس القاضي ولكنها شهادة حسبة لا ارتباط لها بالدعوى.
شروط الشهادة برؤية الهلال: لا خلاف في اشتراط العدالة الظاهرة فيمن نقبله وأما العدالة الباطنة فإن قلنا يشترط عدلان اشترطت، وإلا فوجهان حكاهما إمام الحرمين وآخرون، والأصح قبول رواية المستور وكذا الأصح قبول قوله هنا والصيام به.
مسألة: إذا أخبره من يثق به كزوجته وجاريته وصديقه وغيرهم ممن يثق به ويعتقد صدقه أنه رأى هلال رمضان ولم يذكر ذلك عند القاضي: قطعت طائفة بأنه يلزمه الصوم بقوله وممن صرح بوجوب ذلك على المقول له أبو الفضل بن عبدان والغزالي في الإحياء والبغوي وغيرهم وقال إمام الحرمين وصاحب الشامل: إن قلنا إنه رواية لزم الصوم بقوله.
مسألة: الشهادة على الشهادة: يثبت هلال رمضان بالشهادة على الشهادة كسائر الأحكام أصحهما وبه قطع الأكثرون وأشار إليه المصنف.
مسألة: إذا قبلنا في هلال رمضان عدلًا وصمنا على قوله ثلاثين يومًا فلم نر الهلال بعد الثلاثينفهل نفطر؟ فيه وجهان مشهوران أصحهما نفطر، ثم القولان جاريان سواء كانت السماء مصحية أو مغيمة هذا هو المذهب وبه صرح المتولي وآخرون وهو مقتضى كلام الأكثرين ونقله الرافعي عن مفهوم كلام الجمهور.
مسألة: إذا صمنا بقول عدلين ثلاثين يومًا ولم نر الهلال: إن كانت السماء مغيمة أفطرنا بلا خلاف وإن كانت مصحية فطريقان: أحدهما نفطر قولًا واحدًا وهو نص الشافعي في الأم.
مسألة: إذا غم الهلال وعرف رجل الحساب ومنازل القمروعرف بالحساب أنه من رمضان: وجهان قال ابن سريج: يلزمه الصوم لأنه عرف الشهر بدليل فأشبه من عرفه بالبينة، وقال غيره لا يصوم لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية.
مسألة: إن صام بقوله فهل يجزئه عن فرضه؟ فيه وجهان، وقال صاحب البيان: إذا عرف بحساب المنازل أن غدًا من رمضان أو أخبره عارف بذلك فصدقه فنوى وصام بقوله فوجهان: أحدهما: يجزئه قاله ابن سريج واختاره القاضي أبو الطيب لأنه سبب حصل له به غلبة ظن فأشبه مالو أخبره ثقة عن مشاهدة، والثاني: لا يجزئه لأن النجوم والحساب لا مدخل لهما في العبادات
مسألة: هل يلزمه الصوم بذلك؟ قال ابن الصباغ: أما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، وذكر صاحب المهذب أن الوجهين في الوجوب هذا كلام صاحب البيان وقطع صاحب العدة بأن الحاسب والمنجم لا يعمل غيرهما بقولهما وقال المتولي لا يعمل غير الحاسب بقوله.
من رأى هلال رمضان وحده لزمه الصوم ومن رأى هلال شوال وحده لزمه الفطر: وهذا لا خلاف فيه عندنا لقوله صلى الله عليه وسلم «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»[40]، ويفطر لرؤية هلال شوال سرًا لئلا يتعرض للتهمة في دينه وعقوبة السلطان.
مسألة: إذا رأى هلال رمضان وحده ولم يقبل القاضي شهادته فصام وجامعفي ذلك اليوم: تلزمه الكفارة بلا خلاف لأنه من رمضان في حقه، وقال أبو حنيفة يلزمه الصوم ولكن إن جامع فيه فلا كفارة وما ذكرناه من لزوم الفطر لمن رأى هلال شوال قال به أكثر العلماء وقال مالك والليث وأحمد لا يجوز له الأكل فيه.
لا يثبت هلال شوال ولا سائر الشهور غير هلال رمضان إلا بشهادة رجلين حرين عدلين
لحديث الحارث بن حاطب السابق قريبا وقياسًا على باقي الشهادات التي ليست مالًا ولا المقصود منها المال ويطلع عليها الرجال غالبًا مع أنه ليس فيه احتياط للعبادة بخلاف هلال رمضان هذا مذهبنا وبه قال العلماء كافة.
مسألة: إذا أخبره برؤية الهلال من يثق بخبره من رجل أو امرأة أو عبد فصدقه وإن لم يقبل الحاكم شهادته ونوى الصوم وصام ثم بان أنه من رمضان: يرى الشافعي أنه أجزأه لأنه نوى الصوم بظن وصادفه فأشبه البينة.
مسألة: لو أخبره صبي عاقل عبد فصدقه وإن لم يقبل الحاكم شهادته ونوى الصوم وصام ثم بان أنه من رمضان أجزأه لأنه نوى الصوم بظن وصادفه فأشبه البينة.
مسألة: إذا صام اتفاقا من غير مستند فوافق لا يجزئه بلا خلاف
مسألة: لو كانت ليلة الثلاثين من شعبان ولم ير الناس الهلال فرأى إنسان النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له: الليلة أول رمضان: لم يصح الصوم بهذا المنام لا لصاحب المنام ولا لغيره ذكره القاضي حسين في الفتاوى وآخرون من أصحابنا ونقل القاضي عياض الإجماع عليه، فشرط الراوي والمخبر والشاهد أن يكون متيقظًا حال التحمل، وهذا مجمع عليه ومعلوم أن النوم لا تيقظ فيه ولا ضبط؛ فترك العمل بهذا المنام لاختلال ضبط الراوي لا للشك في الرؤية؛ فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتمثلُ بِي»[41].
ثبوت هلال رمضان: مذهبنا ثبوته بعدلين بلا خلاف وممن قال يشترط عدلان: عطاء وعمر بن عبد العزيز ومالك والأوزاعي والليث والماجشون وإسحق بن راهويه وداود، ويشهد لنا حديث ابن عمر رضي الله عنه قال: «تراءَى الناسُ الهلالَ، فأخبرتُ النبيَّ r أني رأيتُه، فصام وأمر الناسَ بالصيامِ»[42]، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاء أعرابيٌّ إلى النبيَّ صلى الله عليه وسلمفقال: إني رأيتُ الهِلالَ يعني رمضان، فقال: «أتَشْهَدُ أن لا إله إلا الله؟» قال: نعم؛ قال «أتَشهدُ أن محمداً رسولُ الله؟» قال: نعم، قال: «يا بلالُ، أذِّن في النَّاسِ، فليصُومُوا غداً»[43].
هل يثبت بعدل واحد؟ في ثبوته بعدل خلاف والصحيح ثبوته وسواء أصحت السماء أو غيمت وممن قال يثبت بشاهد واحد: عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وآخرون.
اشتباه الشهور على الأسير: إن اشتبهت الشهور على أسير لزمه أن يتحرى ويصوم كما يلزمه أن يتحرى في وقت الصلاة وفى القبلة.
مسألة: إن صام بغير اجتهاد ووافق رمضان: لا يجزئه بلا خلاف ويلزمه الإعادة. فإن اجتهدوصام فله أربعة أحوال:
أحدها أنه يستمر الإشكال ولا يعلم أنه صادف رمضان أو تقدم أو تأخر فهذا يجزئه بلا خلاف ولا إعادة عليه وعلله الماوردي وغيره بأن الظاهر من الاجتهاد الإصابة.
الحال الثاني أن يوافق صومه رمضان فيجزئه بلا خلاف عندنا قال الماوردي: وبه قال العلماء كافة ودليلنا إجماع السلف وقياسًا على من اجتهد في القبلة ووافقها.
الحال الثالث أن يوافق صومه ما بعد رمضان فيجزئه بلا خلاف، نص عليه الشافعي رضي الله عنه واتفق عليه الأصحاب رحمهم الله تعالى لأنه صام بنية رمضان بعد وجوبه.
الحال الرابع أن يصادف صومه ما قبل رمضان فينظر: إن أدرك رمضان بعد بيان الحال لزمه صومه بلا خلاف لتمكنه منه في وقته، وإن لم يبن الحال إلا بعد مضي رمضان فيجب القضاء.
مسألة: إذا صام الأسير ونحوه بالاجتهاد فصادف صومه الليل دون النهار: يلزمه القضاء بلا خلاف لأنه ليس وقتًا للصوم فوجب القضاء كيوم العيد.
مسألة: لو تحرى الأسير فلم يظهر له رمضان: لا يلزمه الصيام لأنه لم يعلم دخول الوقت ولا ظنه فلم يؤمر به كمن شك في دخول وقت الصلاة بخلاف القبلة فإنه تحقق دخول وقت الصلاة وإنما عجز عن شرطها فأمر بالصلاة بحسب الإمكان لحرمة الوقت كمن شك في وقت الصلاة فإنه لا يلزمه أن يصلي.
مسألة: لو شرع في الصوم بالاجتهاد فأفطر بالجماع في بعض الأيام: إن تحقق أنه صادف رمضان لزمته الكفارة لأنه وطئ في نهار رمضان الثابت بنوع دلالة فأشبه من وطئ بعد حكم القاضي بالشهر بقول عدل واحد، وإن صادف شهرًا غيره فلا كفارة.
مسألة: إذا لم يعرف الأسير ونحوه الليل ولا النهار بل استمرت عليه الظلمة دائمًا: هذه مسألة مهمة قل من ذكرها وقد حكى الإمام أبو بكر المروزي من أصحابنا فيه ثلاثة أوجه للأصحاب: أصحها أنه يلزمه التحري والصوم ولا قضاء عليه، هذا إذا لم يظهر له فيما بعد الخطأ فإن تبين أنه صادف الليل لزمه القضاء بلا خلاف.
[1] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب فضل شهر رمضان – ح (1079)، والبخاري – كتاب الصوم – باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان؟ ومن رأى كله واسعًا – ح (1799) بلفظ: إِذَا
جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّ.
[2] صحيح مسلم – السابق، صحيح البخاري – كتاب بدء الخلق – ح (3103) بلفظ: إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ.
[3] صحيح مسلم – السابق – بلفظ: إذا كان رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين.
[4] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم شهرا عيد لا ينقصان – ح (1089)، صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب شهرا عيد لا ينقصان – ح (1813) بلفظ: شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ شَهْرَا عِيدٍ رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ.
[5] صحيح البخاري – كتاب الإيمان – باب تطوع قيام رمضان من الإيمان – ح (37)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح – ح (759).
[8] هذا لفظ رواية أبي داود وذكره في كتاب الأذان في آخر الباب الأول منه وهو مرسل فإن معاذًا لم يدركه ابن أبي ليلى.
[9] السنن الكبرى – البيهقي – كتاب الصيام – باب ما قيل في بدء الصيام إلى أن نسخ بفرض صوم شهر رمضان – ح (7684).
[10] صحيح البخاري – كتاب التفسير – باب قول الله: وعلم آدم الأسماء كلها – ح (4237)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان نسخ قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه – ح (1145).
[12] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب قول الله جل ذكره )أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم( – ح (1816).
[13] صحيح البخاري – كتاب الإيمان – باب الزكاة من الإسلام – ح (46)، صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام – ح (11).
[14] صحيح البخاري – كتاب الإيمان – باب الإيمان وقول النبي e : بني الإسلام على خمس – ح (8)، صحيح مسلم – كتاب الإيمان – باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام – ح (16).
[22] نصه: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ e خَرَجَ إلى مَكَّةَ في رَمَضَانَ، فَصَامَ حتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ، أفْطَرَ، فأفْطَرَ النَّاسُ»: صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب إذا صام أيام من رمضان ثم سافر – ح (1842)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية – ح (1113).
[23] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب الصوم في السفر والإفطار – ح (1841)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب التخيير في الصوم والفطر في السفر – ح (1121).
[24] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب التخيير في الصوم والفطر في السفر – ح (1121).
[25] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر في غير معصية – ح (1118).
[30] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعًا – ح (1801)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال – ح (1080).
[34] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب قول النبي r: إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا – ح (1810).
[35] سنن أبي داود – أول كتاب الصوم – باب إذا أُغمي الشهر – ح (2325).
[36] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب قول النبي e: لا نكتب ولا نحسب – ح (1814)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال – ح (1080).
[38] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم – ح (1087).
[39] السنن الصغير – البيهقي – كتاب الصيام – باب الشهادة على رؤية الهلال – ح (1306)، المستدرك على الصحيحين – الحاكم النيسابوري – كتاب الصيام – ح (1541).
[40] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب قول النبي صلى الله عليه و سلم ( إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا – ح (1810)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال – ح (1081).
[41] صحيح مسلم – كتاب الرؤيا – باب قول النبي e من رآني في المنام فقد رآني – ح (2266)، صحيح البخاري – كتاب التعبير – باب من رأى النبي e في المنام – ح (6593) – بلفظ: لَا يَتَخَيَّلُ بِي.
[43] سنن أبي داوود – أول كتاب الصوم – باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان – ح (2340)، سنن النسائي – كتاب الصيام – بَابُ قَبُولِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ عَلَى هِلَالِ شَهْرِ رَمَضَانَ – ح (2113).