مع أي البلاد يبدأ المسلم صومه؟

السؤال:

“نحن مجموعة من الشباب نقيم في الغرب وكلما أقبل علينا رمضان تجددت لدينا مشكلة تحديد بداية شهر رمضان وتحديد نهايته؛ فمنا القائل بالصيام مع مكة، ومنا القائل بل مع بلده، وثالث يقول مع أول بلد تعلن دخول الشهر، ورابع يقول بل بالحساب الفلكي بقيد إمكان رؤية الهلال، وخامس يقول بالحساب الفلكي مطلقًا، وغير ذلك من الأقوال التي يأخذ بها الناس هنا وقد وصل الأمر إلى أن تختلف بداية الشهر باليومين والثلاثة من مدينة إلى أخرى؛ بل من مسجد إلى آخر، ووصل الحال إلى اختلاف أهل البيت الواحد في الصيام والفطر فأين الصواب في هذا كله؟

 الإجابة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد

بعد الاطلاع على السؤال أقول مستعينًا بالله تعالى:

إن تحديد بداية شهر رمضان ونهايته ليس من شأن الأفراد كما قال هذا أبو الحسن السندي في حاشيته على ابن ماجه، بعد أن ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند الترمذي: »الصوم يوم تصومون، و الفطر يوم تفطرون، و الاضحى يوم تضّحون«[1]: »والظاهر أن معناه أن هذه الأمور ليس للآحاد فيها دخل، وليس لهم التفرد فيها، بل الأمر فيها إلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباعهم للإمام والجماعة«.

وقال الإمام الترمذي -عقب روايته الحديث-: »وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس«.

ويدل على وجوب متابعة الإمام والجماعة في هذا ما جاء في قصة عثمان وابن مسعود رضي الله عنهما حيث» صلى عثمان بمنى أربعًا، فقال عبد الله بن مسعود -منكرًا عليه-: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع عمر ركعتين، ومع عثمان صدرًا من إمارته ثم أتمها، ثم تفرقت بكم الطرق فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. ثم إن ابن مسعود صلى أربعًا! فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعًا؟! قال: الخلاف شر))[2].

أي أن الرأي الفقهي الفردي المخالف لما هو عليه الجماعة أو الإمام لا حرج فيه ولا تضييق على أصحاب الرأي والاجتهاد والترجيح، ولكن العمل يكون مع الجماعة ولو خالف المرء رأيه.

وإذا ترجح عنده جواز المخالفة لما هو عليه الناس فالأفضل له أن يستخفي بهذا صومًا وإفطارًا.

وتدل الأحاديث وشروح العلماء لها على إرشاد المسلمين إلى أن يصوموا معًا في يوم واحد، وأن تحديد بداية الشهر ليس لآحاد المسلمين؛ بل ليس لآحاد المساجد والمؤسسات مثل ما نرى من واقع أليم في أوروبا حيث يحدد المرء متى يصوم ومتى يفطر ويحدد المسجد ذلك أيضًا.

والأمر ليس كذلك بل هو يدور بين حالين:

  1. إذا وجدت دولة مسلمة ولو كانت ظالمة في بعض الجوانب فإنه يجب متابعتها.

  2. فإذا كان يعيش في دولة غير مسلمة فعلى المسلم متابعة الجماعة وعظم المسلمين كما جاء في شروح العلماء للأحاديث.

فعلى المسلم الصوم مع البلد التي يعيش فيها والفطر معها أيضًا.

والله تعالى أعلم

للتوسع: راجع بحثنا المختصر ((كلمة عن الاختلاف في بداية شهر رمضان المبارك)) من كتابنا ((رمضان في فقه الأقليات))

————————————————————————————–

[1] ” رواه الترمذي وحسّنه ج 3 ص 80، وعبد الرزاق في مصنفه ج4 ص 156، واسحاق بن راهويه في مسنده ج1 ص429، والشافعي في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها ج1 ص 73، وأبوداود ج2 ص 297، وغيرهم.

[2] رواه أبو داود وسنده صحيح

مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed