مختصر المجموع شرح المهذب (ليلة القدر) – الجزء الخامس

 ليلة القدر
ليلة القدر ليلة فاضلة، قال الله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»[1] إلى آخر السورة، قال أصحابنا وغيرهم: وهي أفضل ليالي السنة، قالوا: وقول الله تعالى: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ»[2] معناه: خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
وليلة القدر مختصة بهذه الأمة، زادها الله شرفًا فلم تكن لمن قبلها.
وسميت ليلة القدر أي: ليلة الحكم والفصل، هذا هو الصحيح المشهور. قال الماوردي وابن الصباغ وآخرون: وقيل لعظم قدرها.
قال أصحابنا كلهم هي التى يفرق فيها كل أمر حكيم، هذا هو الصواب وبه قال جمهور العلماء.
وليلة القدر باقية إلى يوم القيامة، ويستحب طلبها، والاجتهاد في إدراكها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجتهد في طلبها في العشر الاواخر من رمضان مالا يجتد في غيره، «كانَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، إذَا دَخَلَ العَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ المِئْزَرَ»[3]، وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[4].
ومذهب الشافعي وجمهور أصحابنا أنها منحصرة في العشر الأواخر من رمضان، مبهمة علينا، ولكنها في ليلة معينة في نفس الأمر، لا تنتقل عنها، ولا تزال في تلك الليلة إلى يوم القيامة، وكل ليالي العشر الأواخر محتملة لها لما روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ»[5]،  لكن ليالي الوتر أرجاها، وأرجى الوتر عند الشافعي ليلة الحادي والعشرين، ومال الشافعي في موضع إلى ثلاثة وعشرين، وقال البندنيجي: مذهب الشافعي أن أرجاها عنده ليلة إحدى وعشرين، وقال في القديم: ليلة إحدى وعشرين، أو ثلاث وعشرين فهما أرجى لياليها عنده، وبعدهما ليلة سبع وعشرين، ويطلب ذلك في ليالي الوتر من العشر الاخير من شهر رمضان، قال الشافعي رحمه الله: والذى يشبه أن يكون ليلة احدى وعشرين وثلاث وعشرين.
والدليل عليه ما روى أبو سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا أَوْ نُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوَتْرِ وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ» قال أبو سعيد: فانصرف علينا وعلى جبهته وانفه أثر الماء والطين في صبيحة يوم إحدى وعشرين»[6].
وروى عبد الله بن انيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ. قالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْصَرَفَ وإنَّ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ علَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ. قالَ: وَكانَ عبدُ اللهِ بنُ أُنَيْسٍ يقولُ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ»[7].
هذا هو المشهور في المذهب أنها منحصرة في العشر الأواخر من رمضان، وقال إمامان جليلان من أصحابنا وهما المزني وصاحبه أبو بكر محمد ابن اسحق بن خزيمة أنها منتقلة في ليالي العشر تنتقل في بعض السنين إلى ليلة وفي بعضها إلى غيرها، جمعًا بين الأحاديث وهذا هو الظاهر المختار لتعارض الأحاديث الصحيحة في ذلك كما سنوضحه إن شاء الله تعالى، ولا طريق إلى الجمع بين الأحاديث إلا بانتقالها.
قال الشافعي: ولا أحب ترك طلبها فيها كلها. قال اصحابنا: إذا قال لامرأته أنت طالق ليلة القدر؛ فإن كان في رمضان قبل مضى ليلة من ليالي العشر حكم بالطلاق من الليلة الأخيرة من الشهر، وإن كان قد مضت ليلة وقع الطلاق في السنة الثانية في مثل تلك الليلة التي قال فيها ذلك.
والمستحب أن يقول فيها: اللهم إنك عفو تجب العفو فاعف عنى لما روى أن عائشة رضى الله عنها قالت: «قلتُ: يا رسولَ اللهِ أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةِ القدرِ ما أقولُ فيها؟ قال: قولي: اللهمَّ إنك عفوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي»[8].
واعلم أن ليلة القدر يراها من شاء الله تعالى من بني آدم كل سنة في رمضان كما تظاهرت عليه الأحاديث وأخبار الصالحين بها ورؤيتهم لها أكثر من أن تحصر.
تابع
مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الأول
مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الثاني
مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الثالث
مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الرابع
ملخصات النووي في المجموع لمذاهب العلماء في أصول أحكام الصيام
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا
——————————————————————————————-
[1] سورة القدر:1.
[2] سورة القدر:3.
[3] صحيح البخاري – كتاب صلاة التراويح – باب العمل في العشر الأواخر من رمضان – ح (1920)، صحيح مسلم – كتاب الاعتكاف – باب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان – ح (1174).
[4] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية – ح (1802)، صحيح مسلم – صلاة المسافرين – باب الترغيب في قيام رمضان (صلاة المسافرين باب الترغيب في قيام رمضان رقم (759)
[5] صحيح البخاري – كتاب صلاة التراويح – باب تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر – ح (1917)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها وبيان محلها وأرجى أوقات طلبها – ح (1165).
[6] صحيح البخاري – السابق – ح (1912)، صحيح مسلم – السابق – ح (1167).
[7] صحيح مسلم – السابق – ح (1168).
[8] سنن ابن ماجه – أبواب الدعاء – بَابُ الدُّعَاءِ بِالْعَفْوِ وَالْعَافِيَةِ – ح (3850)، مسند الإمام أحمد بن حنبل – مسند النساء – مُسْنَدُ الصِّدِّيقَةِ عَائِشَةَ بِنْتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – ح (25384).
مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed