مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الثاني

الفصل الرابع: أركان الصيام
الركن الأول: النية: لا يصح صوم رمضان ولا غيره من الصيام إلا بالنية لقوله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»[1]، وهذا لا خلاف فيه عندنا.
محل النية القلب، ولا يشترط نطق اللسان بلا خلاف ولا يكفي عن نية القلب بلا خلاف، ولكن يستحب التلفظ مع القلب كما سبق في الوضوء والصلاة.
تجب النية لكل يوم سواء رمضان وغيره وهذا لا خلاف فيه عندنا، فلو نوى في أول ليلة من رمضان صوم الشهر كله لم تصح هذه النية لغير اليوم الأول؛ لأن صوم كل يوم عبادة منفردة يدخل وقتها بطلوع الفجر ويخرج وقتها بغروب الشمس لا يفسد بفساد ما قبله ولا بفساد ما بعده فلم يكفه نية واحدة كالصلوات.
لا يصح صوم بنية من النهار لا رمضان ولا غيره من الصوم الواجب كالقضاء والكفارة وصوم فدية الحج بلا خلاف؛ لما روت حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لم يُبيّتِ الصيامَ من الليل فلا صيامَ له»[2] .
في صوم النذر بلا نية من الليل: فيها خلاف والراجح أنه لا يصح بنية من النهار، ويدل عليه أن الحديث هنا عام في اشتراط تبييت النية للصوم خص منه النفل بدليل وبقي النذر على العموم.
مسألة: هل تجوز نيته مع طلوع الفجر؟ فيه وجهان أصحهما لا يجوز إلا بنية من الليل لحديث حفصة رضي الله عنها[3]، ولأن أول وقت الصوم يخفى؛ فوجب تقديم النية عليه، بخلاف سائر العبادات وهو قول أكثر أصحابنا.
إذا قلنا بهذا: هل تجوز النية في جميع الليل فيه وجهان، قال أكثر أصحابنا: يجوز في جميع الليل لحديث حفصة[4]، ولأنا لو أوجبنا النية في النصف الثاني ضاق على الناس ذلك وشق.
حكم نية الصبي: لا يصح صوم الصبي المميز في رمضان إلا بنية من الليل.
وقت النية: تصح في جميع الليل ما بين غروب الشمس وطلوع
مسألة: ان نوى بالليل ثم أكل أو جامع لا تبطل نيته، وهكذا لو نوى ونام ثم انتبه قبل الفجر لم تبطل نيته، ولا يلزمه تجديدها، هذا هو الصواب الذي نص عليه الشافعي، وقطع به جمهور الأصحاب، والدليل أن الله تعالي أحل الأكل الي طلوع الفجر[5] فلو كان الأكل يبطل النية لما جاز أن يأكل الي الفجر لأنه يبطل النية.
نية النافلة من النهار: يجوز في صوم التطوع النية قبل الزوال، الدليل ماروت عائشة رضي الله عنها قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: يا عَائِشَةُ، هلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟ قالَتْ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما عِنْدَنَا شيءٌ، قالَ: فإنِّي صَائِمٌ»[6]، ويخالف الفرض لأن النفل أخف من الفرض.
هل يجوز التطوع بنية بعد الزوال؟ فيه قولان أصحهما باتفاق الأصحاب وهو نصه في معظم كتبه الجديدة وفي القديم لا يصح.
من أي وقت يحسب له الثواب؟ فيه وجهان مشهوران أصحهما عند الأصحاب من طلوع الفجر، ونقله المصنف والجمهور عن أكثر أصحابنا المتقدمين، وقد يدرك المرء بعض العبادة ويثاب كالمسبوق يدرك الإمام راكعًا فيحصل له ثواب جميع الركعة.
شرط صحة صيام النافلة بنية من النهار: إن قلنا يثاب من طلوع الفجر اشترطت جميع شروط الصوم من أول النهار فإن كان أكل أو جامع أو فعل غير ذلك من المنافيات، لم يصح صومه، وإن قلنا يثاب من أول النية ففي اشتراط خلو أول النهار عن الاكل والجماع وغيرها وجهان مشهوران في الطريقتين: أصحهما الاشتراط وبه قطع المصنف وآخرون وهو المنصوص.
تعيين النية: قال الشافعي والأصحاب: لا يصح صوم رمضان ولا قضاء ولا كفارة ولا نذر ولا فدية حج ولا غير ذلك من الصيام الواجب إلا بتعيين النية لقوله:صلى الله عليه وسلم «وإنما لكل امرئ ما نوى»[7]، فهذا ظاهر في اشتراط التعيين، ولأنه قربة مضافة إلى وقتها فوجب تعيين الوقت في نيتها كصلاة الظهر والعصر.
هل يفتقر الصوم الواجب إلى نية الفرض؟ فيه وجهان قال أبو إسحاق: يلزمه أن ينوى صوم فرض رمضان لأن صوم رمضان قد يكون نفلًا في حق الصبي فافتقر إلى نية الفرض ليتميز عن صوم الصبي، وقال أبو علي بن أبي هريرة: لا يفتقر الي ذلك لأن رمضان في حق البالغ لا يكون إلا فرضًا فلا يفتقر إلى تعيين الفرض.
صفة النية الكاملة المجزئة: هي أن يقصد بقلبه صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالى، فأما الصوم فلا بد منه وكذا رمضان لا بد منه، وأما الأداء والفرضية فالأصح عدم الاشتراط، وأما التقييد بهذه السنة فليس بشرط على المذهب وهو المنصوص.
جزم النية: ينبغي أن تكون النية جازمة فلو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غدًا إن كان من رمضان فله حالان:
أحدهما: أن لا يعتقد كونه من رمضان، فإن ردد نيته فقال: أصوم غدًا من رمضان إن كان منه، وإلا فأنا مفطر، أو متطوع لم يجزئه عن رمضان إذا بان منه لأنه صام شاكًا ولم يكن على أصل يستصحبه ولا ظن.
الحال الثاني: أن يعتقد كونه من رمضان فإن لم يستند اعتقاده إلى ما يثير ظنًا فلا اعتبار به وحكمه ما سبق في الحال الأول وإن استند إليه ثم بان أنه من رمضان أجزأه
مسألة: إذا نوى يومًا وأخطأ في وصفه لا يضره هذا، ومثاله: نوى ليلة الثلاثاء صوم الغد وهو يعتقده يوم الاثنين، أو نوى صوم غد من رمضان هذه السنة وهو يعتقدها سنة ثلاث فكانت سنة أربع، صح صومه؛ بخلاف ما لو نوى ليلة الاثنين صوم يوم الثلاثاء، أو نوى وهو في سنة أربع صوم رمضان سنة ثلاث فإنه لا يصح بلا خلاف لأنه لم يعين الوقت.
صوم التطوع بنية مطلق الصوم: يصح كما في الصلاة، هكذا أطلقه الأصحاب، وينبغي أن يشترط التعيين في الصوم المرتب كصوم عرفة وعاشوراء وأيام البيض وستة من شوال ونحوها كما يشترط ذلك في الرواتب من نوافل الصلاة.
إبطال النية: من دخل في الصوم ونوى الخروج منه بطل صومه؛ لأن النية شرط في جميعه فإذا قطعها في أثنائه بقي الباقي بغير نية فبطل، وإذا بطل البعض بطل الجميع لأنه لا ينفرد بعضه عن بعض.
مسألة: لو تردد في الخروج منه إذا تردد في الخروج منه أو علق الخروج على دخول زيد مثلا فالمذهب وبه قطع الأكثرون لا يبطل وجهًا واحدًا.
مسألة: لو وقع ما علقه عليه في أثناء النهار إن قلنا في التعليق إنه لا يبطل فالصحيح أنه لا يبطل.
مسألة: ولو كان صائمًا عن نذر فنوى قلبه إلى كفارة أو عكسه لا يحصل له الذي انتقل إليه بلا خلاف، وأما الذي كان فيه: فإن قلنا إن نية الخروج لا تبطله بقي على ما كان ولا أثر لما جرى، وإن قلنا تبطله فهل يبطل أم ينقلب نفلًا فيه.
مسألة: إذا نوت الحائض صوم الغد قبل انقطاع دم حيضها ثم انقطع في الليل، قال المتولي والبغوي وآخرون من أصحابنا: إن كانت مبتدأة يتم لها في الليل أكثر الحيض أو معتادة عادتها أكثر الحيض وهي تتم في الليل صح صومها بلا خلاف؛ لأنا نقطع بأن نهارها كله طهر، وإن كانت عادتها دون أكثره ويتم بالليل فوجهان: أصحهما تصح نيتها وصومها؛ لأن الظاهر استمرار عادتها فقد بنت نيتها على أصل، وإن لم يكن لها عادة أو كانت ولا يتم أكثر الحيض في الليل أو كانت لها عادات مختلفة لم يصح؛ لأنها لم تجزم ولا بنت على أصل ولا أمارة.
مسألة: لو قال أتسحر للصوم كان ذلك نية للصوم، وكذا لو قال أشرب لدفع العطش نهارًا أو امتنع من الأكل والشرب والجماع مخافة الفجر.
مسألة: لو عقب النية بقوله إن شاء الله بقلبه أو بلسانه فإن قصد التبرك أو وقوع الصوم وبقاء الحياة إلى تمامه بمشيئة الله تعالى لم يضره، وإن قصد تعليقه والشك لم يصح صومه هذا هو المذهب.
مسألة: إذا نسي نية الصوم في رمضان حتى طلع الفجر لم يصح صومه بلا خلاف عندنا، لأن شرط النية الليل ويلزمه إمساك النهار ويجب قضاؤه لأنه لم يصمه.
مسألة: إذا نوى وشك: هل كانت نيته قبل الفجر أو بعده لا يصح صومه لأن الأصل عدم النية.
مسألة: ولو نوى ثم شك هل طلع الفجر أم لا أجزأه وصح صومه.
مسألة: لو أصبح شاكًا في أنه نوى أم لا لم يصح صومه.
مسألة: لو نوى في الليل ثم قطع النية قبل الفجر سقط حكمها لأن ترك النية ضد للنية بخلاف مالو أكل في الليل بعد النية لا تبطل لأن الأكل ليس ضدها.
مسألة: لو نوى صوم القضاء والكفارة بعد الفجر: فإن كان في رمضان لم ينعقد له صوم أصلًا؛ لأن رمضان لا يقبل غيره كما سبق، ولم ينو رمضان من الليل؛ وإن كان في غير رمضان لم ينعقد القضاء والكفارة لأن شرطهما نية الليل.
مسألة: نية صوم واجب جهله: لو علم أن عليه صومًا واجبًا لا يدري: هل هو من رمضان أو نذر أو كفارة؟ فنوى صومًا واجبًا؛ أجزأه، كمن نسي صلاة من الخمس لا يعرف عينها فإنه يصلي الخمس، ويجزئه عما عليه ويعذر في عدم جزم النية للضرورة.
مسألة: لو قال أصوم غدًا إن شاء زيد أو إن نشطت لم تصح لعدم الجزم.
مسألة: إن قال أصوم غدًا ماكنت صحيحًا مقيمًا أجزأه لأنه يجوز له الفطر لو مرض أو سافر قبل الفجر.
مسألة: لو شك في نهار رمضان هل نوى من الليل ثم تذكر بعد مضي أكثر النهار أنه نوى صح صومه بلا خلاف.
الركن الثاني: الإمساك عن المفطرات
الكلام فيه في جزئيين:
  • بداية يوم الصيام
  • نهاية يوم الصيام
أولًا: بداية يوم الصيام
يدخل في الصوم بطلوع الفجر الثاني، وهو الفجر الصادق، ويصير متلبسًا بالصوم بأول طلوع الفجر، والمراد الطلوع الذي يظهر لنا لا الذي في نفس الأمر، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم قال ابن المنذر: وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار، قال: وبه نقول وأدلتنا هي الأحاديث التي جاءت ومنها:
حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: «لَمَّا نَزَلَتْ: )حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ( قالَ له عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أَجْعَلُ تَحْتَ وِسَادَتي عِقالَيْنِ: عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ، أَعْرِفُ اللَّيْلَ مِنَ النَّهَارِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ r: إنَّ وِسَادَتَكَ لَعَرِيضٌ، إنَّما هو سَوَادُ اللَّيْلِ، وَبَيَاضُ النَّهَارِ»[8].
وعن سهل بن سعد رضي الله عنهما قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: )وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ([9] قالَ: فَكانَ الرَّجُلُ إذَا أَرَادَ الصَّوْمَ، رَبَطَ أَحَدُهُمْ في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأسْوَدَ وَالْخَيْطَ الأبْيَضَ، فلا يَزَالُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ حتَّى يَتَبَيَّنَ له رِئْيُهُما؛ فأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذلكَ: )مِنَ الفَجْرِ( فَعَلِمُوا أنَّما يَعْنِي بذلكَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»[10].
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا هَذَا الْبَيَاضُ لِعَمُودِ الصُّبْحِ حَتَّى يَسْتَطِيرَ»[11] .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سَحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الْفَجْرُ أَوْ الصُّبْحُ وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الْأُخْرَى ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ» [12].
وقت الإمساك: يجوز له الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر بلا خلاف
مسألة: لو شك في طلوع الفجر جاز له الأكل والشرب والجماع وغيرها بلا خلاف حتى يتحقق الفجر للآية الكريمة )حتى يتبين لكم الخيط الابيض[13](، ولما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: «كل ما شككت حتى يتبين لك»[14]، وفي رواية عن حبيب بن أبي ثابت قال: «أرسل ابن عباس رجلين ينظران الفجر فقال أحدهما: أصبحت وقال الآخر: لا، قال: اختلفتما أرني شرابي»[15]. قال البيهقي: وروي هذا عن أبي بكر الصديق وعمر وابن عمر رضي الله عنهم.
وقول ابن عباس: أرني شرابي جار على القاعدة أنه يحل الشرب والأكل حتى يتبين الفجر، ولو كان قد تبين لما اختلف الرجلان فيه لأن خبريهما تعارضا والأصل بقاء الليل، ولأن قوله: أصبحت ليس صريحًا في طلوع الفجر فقد تطلق هذه اللفظة لمقاربة الفجر.
مسألة: الأفضل للشاك أن لا يأكل ولا يفعل غيره من ممنوعات الصوم احتياطًا.
مسألة: لو أكل شاكًا في طلوع الفجر ودام الشك ولم يبن الحال بعد ذلك صح صومه بلا خلاف عندنا ولا قضاء عليه.
مسألة: قال أصحابنا وينبغي للصائم أن لا يأكل حتى يتيقن غروب الشمس؛ فلو غلب علي ظنه غروبها باجتهاد بورد أو غيره جاز له الأكل على الصحيح الذي قطع به الأكثرون.
ثانيا: نهاية يوم الصيام
ينقضي الصوم ويتم بغروب الشمس بإجماع المسلمين لحديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا، وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[16]، ويجب إمساك جزء من الليل بعد الغروب ليتحقق به استكمال النهار.
مسألة: لو أكل ظانًا غروب الشمس فبانت طالعة أو ظانًا أن الفجر لم يطلع فبان طالعًا صار مفطرًا هذا هو الصحيح الذي نص عليه الشافعي وقطع به المصنف والجمهور.
مسألة: لو هجم على الأكل في طرفي النهار بلا ظن وتبين الخطأ فحكمه ما ذكرنا وإن بان التيقن أنه لم يأكل في النهار استمرت صحة صومه وإن دام الإبهام ولم يظهر الخطأ ولا الصواب فإن كان في أول النهار فلا قضاء لأن الأصل بقاء الليل وإن كان في آخره لزمه القضاء لأن الأصل بقاء النهار
مسألة: لو ظن غروب الشمس فجامع فبان خلافه؛ لزمه قضاء الصوم على المذهب. قال البغوي والمتولي وآخرون من الأصحاب: ولا كفارة عليه لأنه معذور ولأنها إنما تجب على من أفسد الصوم بجماع أثم به.
مسألة: إذا جامع في الليل وأصبح وهو جنب صح صومه بلا خلاف عندنا.
مسألة: لو انقطع دم الحائض والنفساء في الليل فنوتا صوم الغد ولم يغتسلا صح صومهما بلا خلاف عندنا وبه قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وممن قال به علي بن أبي طالب وابن مسعود وأبي ذر وزيد بن ثابت وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم وجماهير التابعين والثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور قال العبدري: وهو قول سائر الفقهاء.
ودليلنا: نص القرآن قال الله تعالى: ) فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ( [17]، ويلزم بالضرورة أن يصبح جنبًا إذا باشر إلى طلوع الفجر.
والأحاديث الصحيحة المشهورة منها حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما قالتا: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبًا من غير حلم ثم يصوم»[18] وفي روايات: «مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ احْتِلَامٍ»[19] وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم»[20].
وعنها «أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب؛ فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي»[21].
مسألة: قال الماوردي وغيره وأجمعت الأمة على أنه إن احتلم في الليل وأمكنه الاغتسال قبل الفجر فلم يغتسل وأصبح جنبًا بالاحتلام أو احتلم في النهار فصومه صحيح.
مسألة: إذا طلع الفجر وفي فيه طعام فليلفظه؛ فإن لفظه صح صومه؛ فإن ابتلعه أفطر بعد علمه بالفجر بطل صومه، وهذا لا خلاف فيه.
ودليله: حديث ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»[22].
وفي الصحيح أحاديث بمعناه، فلو لفظه في الحال فسبق منه شيء إلى جوفه بغير اختياره فوجهان: الأصح منهما أنه لا يفطر من طلع الفجر وفي فيه طعام فليلفظه ويتم صومه.
تابع
مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الأول
مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الثاني
مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الثالث
مختصر المجموع شرح المهذب – الجزء الرابع
مختصر المجموع شرح المهذب (ليلة القدر) – الجزء الخامس
ملخصات النووي في المجموع لمذاهب العلماء في أصول أحكام الصيام
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا

——————————–

[1]  صحيح البخاري – كتاب بدء الوحي – ح (1).
[2] قال النووي: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد كثيرة الاختلاف وروي مرفوعا كما ذكره المصنف وموقوفا من رواية الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن أخته حفصة وإسناده صحيح في كثير من الطرق فيعتمد عليه ولا يضر كون بعض طرقه ضعيفا أو موقوفا فإن الثقة الواصل له مرفوعا معه زيادة علم فيجب قبولها ورواه البيهقي من رواية عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ” من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له ” قال البيهقي قال الدارقطني إسناده كلهم ثقات قلت والحديث حسن يحتج به اعتمادا على رواية الثقات الرافعين والزيادة من الثقة مقبولة.
[3] تقدم.
[4] تقدم.
[5] يعني قوله تعالى: )وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ( سورة البقرة:187.
[6] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلًا من غير عذر – ح (1154).
[7] تقدم.
[8] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر – ح (1090)، صحيح البخاري – كتاب الصيام – باب قول الله تعالى: )وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل( – ح (1817).
[9] سورة البقرة:187.
[10] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر – ح (1091)، صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب قول الله تعالى )وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ( – ح (1818).
[11] صحيح مسلم – كتاب الصيام – بَابُ صِفَةِ الْفَجْرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ الْمُعْتَرِضُ لَا الْمُسْتَطِيلُ – ح (1929).
[12] صحيح البخاري – كتاب الأذان – باب الأذان قبل الفجر – ح (596).
[13] سورة البقرة: 187.
[14] سنن البيهقي – كتاب الصيام – باب من أكل وهو شاك في طلوع الفجر – ح (7827).
[15] السابق – ح (7828).
[16] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب متى يحل فطر الصائم – ح (1853)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار – ح (1101) بلفظ قريب منه.
[17] سورة البقرة: 187.
[18] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب – ح (1109)، صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب الصائم يصبح جنبًا – ح (1825) بلفظ: كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.
[19] هي رواية للبخاري ومسلم: صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب اغتسال الصائم – ح (1830)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب – ح (1109).
[20] صحيح مسلم – السابق – ح (1109).
[21] صحيح مسلم – السابق – ح (1110).
[22] صحيح البخاري – كتاب الأذان – باب الأذان قبل الفجر – ح (597)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر – ح (1092).
مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed