تجوز نية صوم التطوع قبل انتصاف النهار، ويدل عليه ما جاء عائشة رضي الله عنها قالت: «قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: يا عَائِشَةُ، هلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟ قالَتْ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما عِنْدَنَا شيءٌ، قالَ: فإنِّي صَائِمٌ»[1].
وفي حديث عاشوراء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ»[2].
فإن كان صوم عاشوراء نفلًا فهو نص، وإن كان فرضًا فجواز الفرض بنية من النهار يدل على جواز النفل بطريق الأولى.
ولسنا نقول: إن جهة الفطر قد تعينت بترك النية في أول النهار؛ ولكن بقي الأمر مراعى ما بقي وقت الغداء؛ فإن الصوم ليس إلا ترك الغداء في وقته على قصد التقرب، وفوات وقت الغداء بزوال الشمس، فإذا نوى قبل الزوال فقد ترك الغداء في وقته على قصد التقرب فكان صومًا.
مسألة: لو نوى التطوع بعد انتصاف النهار
لا يعد صائمًا عندنا، ويدل عليه ما بينا أن الصوم ترك الغداء في وقته على قصد التقرب؛ فإن العشاء باق في حق الصائم والمفطر جميعًا، ووقت الغداء ما قبل الزوال دون ما بعده فإذا لم ينو قبل الزوال لم يكن تركه الغداء على قصد التقرب فلا يكون صومًا.
عقد النية نهارًا في قضاء رمضان وكل صوم واجب في ذمته فسواء نوى قبل الزوال أو بعده لم يكن عنه ما لم ينو من الليل؛ لأن ما كان دينًا في ذمته لم يتعين لأدائه يوم ما لم يعينه فإمساكه في أول النهار قبل النية لم يتوقف عليه فلا يستند حكم النية إليه بخلاف صوم رمضان فإنه متعين في وقته فيتوقف إمساكه عليه فيستند حكم النية.
وإقامة النية في أكثر الوقت مقام النية في جميعه لأجل الضرورة والحاجة، وذلك فيما يفوته دون ما لا يفوته، وصوم رمضان يفوته عن وقته، والنفل لا يفوته أصلًا؛ فأما ما كان دينًا في ذمته لا يفوت فلا تقام النية في أكثر الوقت في حقة مقام النية في جميعه.
مسألة: لا يصح الصوم بلا نية
لا يكون المرء صائمًا في رمضان ولا في غيره ما لم ينو الصوم، وإن اجتنب المفطرات إلى آخر يومه بمرض أو غير مرض.
واشتراط النية ليصير الفعل قربة؛ فإن الإخلاص والقربة لا يحصل إلا بالنية، قال الله تعالى: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ»[3]؛ ففي هذا المسافر والمقيم سواء، إنما فارق المسافر المقيم في الترخيص بالفطر، فإذا لم يترخص صحت منه النية قبل انتصاف النهار كما تصح من المقيم.
مسألة: إن أصبح بنية الفطر فظن أن نيته هذه قد أفسدت عليه صومه، وأفتي بذلك؛ فأكل قبل انتصاف النهار.
عليه القضاء، ولا كفارة عليه للشبهة التي دخلت. وهما فصلان: أحدهما:إذا أصبح ناويًا للصوم، ثم نوى الفطر لا يبطل به صومه عندنا، ويدل عليه الحديث الذي روينا „الفطر مما يدخل»[4]، وبنيته ما وصل شيء إلى باطنه ثم هذا حديث كالنفس.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ أَوْ حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ»[5]، وكما أن الخروج من سائر العبادات لا يكون بمجرد النية فكذلك من الصوم.
وبالاتفاق اقتران النية بحالة الأداء ليس بشرط؛ فإنه لو كان مغمى عليه في بعض اليوم يتأدى صومه؛ ففي هذا الفصل إذا أفتي بأن صومه لا يجوز فأفطر لم يكن عليه كفارة لشبهة اختلاف العلماء؛ لأن على العامي أن يأخذ بقول المفتي.
وإن كان أصبح غير ناو للصوم ثم أكل فعلى قول أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – لا كفارة عليه سواء أكل قبل الزوال أو بعده.
مسألة: إن أصبح غير ناو للصوم ثم نوى قبل الزوال ثم أكل
لا كفارة عليه، ويدل عليه ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَا صِيَامَ لَهُ»[6]، ينفي كونه صائمًا بهذه النية، والحديث وإن ترك العمل بظاهره يبقى شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات.
وهذا على أصل أبي حنيفة رحمه الله تعالى ظاهر؛ لأن عنده لو أكل قبل النية لا تلزمه الكفارة وما كان موجودا في أول النهار يصير شبهة في آخره كالسفر.
حكم المغمى عليه في جميع الشهر إذا أفاق بعد مضيه
عليه القضاء، فالإغماء مرض، وهو عذر في تأخير الصوم إلى زواله لا في إسقاطه، وهذا لأن الإغماء يضعف القوى ولا يزيل الحجا؛ ألا ترى أنه لا يصير موليًا عليه.
وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتلي بالإغماء في مرضه، وكان معصومًا عما يزيل العقل[7]، قال الله تعالى: «فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ»[8].
فإذا كان مجنونًا في جميع الشهر فلا قضاء عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ»[9].
ومن كان مرفوعًا عنه القلم لا يتوجه عليه الخطاب بأداء الصوم والقضاء ينبني عليه.
ثم الجنون يزيل عقله فلا يتحقق معه شهود الشهر، وهو السبب الموجب للصوم؛ بخلاف الإغماء فإنه يعجزه عن استعمال عقله ولا يزيله، فلذلك جعل شاهدًا للشهر حكمًا.
مسألة: إن أفاق المجنون في بعض الشهر
عليه صوم ما بقي من الشهر، وليس عليه قضاء ما مضى في القياس، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى؛ لأنه لو استوعب الشهر كله منع القضاء في الكل؛ فإذا وجد في بعضه يمنع القضاء بقدره اعتبارًا للبعض بالكل.
وقياسًا على الصبي، وهذا؛ لأن الصبي أحسن حالًا من المجنون؛ فإنه ناقص العقل في بعض أحواله، عديم العقل في بعض أحواله، والمجنون عديم العقل بعيد عن الإصابة عادة.
فإذا كان الصغر في بعض الشهر يمنع وجوب القضاء فالجنون أولى، واستحسن علماؤنا بقوله تعالى «فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه»[10]، والمراد منه شهود بعض الشهر؛ لأنه لو كان السبب شهود جميع الشهر لوقع الصوم في شوال؛ فصار بهذا النص شهود جزء من الشهر سببًا لوجوب صوم جميع الشهر إلا في موضع قام الدليل على خلافه.
ثم الجنون عارض أعجزه عن صوم بعض الشهر مع بقاء أثر الخطاب فيلزمه القضاء كالإغماء.
مسألة: إن جن في شهر رمضان ثم أفاق بعد سنينفي رمضان
عليه قضاء الشهر الأول؛ لإدراكه جزءًا منه وقضاء الشهر الآخر لإدراكه جزءًا منه، وليس عليه قضاء الشهور التي في السنين الماضية بين ذلك؛ لأنه لم يدرك جزءًا منها في حال الإفاقة.
فإن كان جنونه أصليًا بأن بلغ مجنونًا ثم أفاق في بعض الشهر فالمحفوظ عن محمد – رحمه الله تعالى – أنه ليس عليه قضاء ما مضى؛ لأن ابتداء الخطاب يتوجه عليه الآن فيكون بمنزلة الصبي حين يبلغ.
مسألة: مريض أفطر في شهر رمضان ثم مات قبل أن يبرأ
ليس عليه شيء؛ لأن وقت أداء الصوم في حقه عدة من أيام أخر بالنص ولم يدركه؛ ولأن المرض لما كان عذرًا في إسقاط أداء الصوم في وقته لدفع الحرج؛ فلأن يكون عذرًا في إسقاط القضاء أولى، وإن برئ وعاش شهرًا فلم يقض الصوم حتى مات فعليه قضاؤه؛ لأنه أدرك عدة من أيام أخر، وتمكن من قضاء الصوم فصار القضاء دينًا عليه.
ودليله: أن الصوم عبادة لا تجري النيابة في أدائها في حالة الحياة؛ فكذلك بعد الموت كالصلاة، وهذا؛ لأن المعنى في العبادة كونه شاقًا على بدنه، ولا يحصل ذلك بأداء نائبه؛ ولكن يطعم عنه لكل يوم مسكينًا؛ لأنه وقع اليأس عن أداء الصوم في حقه فتقوم الفدية مقامه كما في حق الشيخ الفاني.
ويجب عليهم الإطعام من ثلثه إذا أوصى ولا يلزمهم ذلك إذا لم يوص.
ويقدر الإطعام عندنا بنصف صاع لكل مسكين، فنحن نقيسه على صدقة الفطر بعلة أنه أوجب كفاية للمسكين في يومه؛ وعلى هذا إذا مات، وعليه صلوات يطعم عنه لكل صلاة نصف صاع من حنطة.
والصاع قفيز بالحجاجي، وهو ربع الهاشمي، وهو ثمانية أرطال في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى.
والقفيز الحجاجي صاع عمر رضي الله عنه حتى كان الحجاج يمن به على أهل العراق ويقول: ألم أخرج لكم صاع عمر رضي الله تعالى عنه.
مسألة: إن صح بعد رمضان عشرة أيام ثم مات فعليه قضاء العشرة الأيام التي صح فيها؛ لأنه بقدرها أدرك عدة من أيام أخر والبعض معتبر بالكل، وإن صح يومًا واحدًا.
وعلى قول محمد – رحمه الله تعالى – يلزمه القضاء بقدر ما صح، وهذا وهم من الطحاوي فإن هذا الخلاف في النذر إذا نذر المريض صوم شهر ثم برأ يومًا ولم يصم فهو على هذا الخلاف؛ فأما قضاء رمضان فلا خلاف بينهم.
مسألة: مسافر أصبح صائمًا ثم قدم المصر فأُفتي بأن صيامه لا يجزئه وأنه عاص؛ فأفطر
عليه القضاء ولا كفارة عليه، والكلام في هذه المسألة في فصول:
أحدها: أن أداء الصوم في السفر يجوز في قول جمهور الفقهاء، وهو قول أكثر الصحابة.
ودليله: قوله تعالى «فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْه»[11] وهذا يعم المسافر والمقيم، ثم قوله: «وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ» لبيان الترخص بالفطر فينتفي به وجوب الأداء لا جوازه.
وفي عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو t قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ؛ فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»[12] .
وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «كُنَّا نَغْزُو مع رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَجِدُ الصَّائِمُ علَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ علَى الصَّائِمِ»[13].
والثاني: أن المسافرة في رمضان لا بأس بها، والدليل على جواز المسافرة حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَمَضَانَ، فَخَرَجْنَا صُوَّامًا، حَتَّى بَلَغَنَا الْكَدِيدَ أُمِرْنَا بِالْفِطْرِ، فَأَصْبَحْنَا شَرِحِينَ، مِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَنَا مَرَّ الظَّهْرَانِ، أَعْلَمَنَا بِلِقَاءِ الْعَدُوِّ، أُمِرْنَا بِالْفِطْرِ، فَأَفْطَرْنَا»[14]، فإن سافرت في رمضان فقد سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن صمت فقد صام، وإن أفطرت فقد أفطر وكل ذلك واسع.
والثالث: إذا أنشأ السفر في رمضان فله أن يترخص بالفطر، والحديث الذي المتقدم حجة فقد أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شكا الناس إليه، ولا يقال لما أهل الهلال، وهو مقيم فقد لزمه أداء صوم الشهر فلا يسقط ذلك عنه بسفر ينشئه باختياره كاليوم الذي يسافر فيه؛ لأنا نقول: صوم الشهر عبادات متفرقة وإنما يلزمه الأداء باعتبار اليوم الذي كان مقيمًا في شيء منه دون اليوم الذي كان مسافرًا في جميعه قياسًا على الصلوات.
والرابع: أن الصوم في السفر أفضل من الفطر عندنا. فالفطر رخصة، وأداء الصوم عزيمة، والتمسك بالعزيمة أولى من الترخص بالرخصة، وهذا؛ لأن الرخصة لدفع الحرج عنه، وربما يكون الحرج في حقه في الفطر أكثر فإنه يحتاج إلى القضاء وحده، والصوم مع الجماعة في السفر يكون أخف من الفطر، والقضاء وحده في يوم جميع الناس فيه مفطرون.
مسألة: إذا قدم المصر فأفتي أن صومه لا يجزيه
هذه الفتوى تصير شبهة في إسقاط الكفارة، وكذا كونه مسافرًا في أول النهار يصير شبهة في آخره والكفارة تسقط بالشبهة.
قضاء رمضان في أيام العشر:
لا بأس بقضاء رمضان في أيام العشر، وهو قول عمر رضي الله تعالى عنه
والصوم في هذه الأيام مندوب إليه، وهو قياس صوم عاشوراء وصوم شعبان وقضاء رمضان في هذه الأوقات يجوز.
بلوغ الغلام في رمضان
إذا بلغ الغلام في يوم رمضان فأفطر فيه فلا شيء عليه، فالخطاب بالصوم لم يكن متوجهًا عليه في أول النهار، وصوم اليوم الواحد لا يتجزأ وجوبًا، وإمساكه في أول النهار ما توقف على صوم الفرض؛ لأنه لم يكن أهلًا له فهو نظير الكافر يسلم.
ولو بلغ في غير رمضان في يوم فنوى الصوم تطوعًا أجزأه بالاتفاق.
مسألة: إذا ذاق الصائم بلسانه شيئًا، ولم يدخل حلقه
لا يفطر؛ لأن الفطر بوصول شيء إلى جوفه، ولم يوجد والفم في حكم الظاهر. ألا ترى أن الصائم يتمضمض فلا يضره ذل.
ويكره له أن يعرض نفسه لشيء من هذا؛ لأنه لا يأمن أن يدخل حلقه بعد ما أدخله فمه فيحوم حول الحمى قال صلى الله عليه وسلم: «فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»[15].
مسألة: إن دخل ذبابٌ جوفَه
لا يفطره ولا يضره، وهذا استحسان، وكان ينبغي في القياس أن يفسد صومه؛ لأنه ليس فيه أكثر من أنه غير مغذ، وأنه لا صنع له فيه، فكان نظير التراب يهال في حلقه، وفي الاستحسان لا يضره هذا؛ لأنه لا يستطاع الامتناع منه فإن الصائم لا يجد بدًا من أن يفتح فمه فيتحدث مع الناس، وما لا يمكن التحرز عنه فهو عفو؛ ولأنه مما لا يتغذى به فلا ينعدم به معنى الإمساك، وهو نظير الدخان والغبار يدخل حلقه.
مسألة: إن كان بين أسنانه شيء فدخل جوفه
لا يفطر؛ لأن هذا لا يستطاع الامتناع منه، فإن تسحر بالسويق فلا بد من أن يبقى بين أسنانه شيء؛ فإذا أصبح يدخل في حلقه مع ريقه ثم ما يبقى بين الأسنان تبع لريقه فكما أنه إذا ابتلع ريقه لم يضر فكذلك ما هو تبع، وهذا إذا كان صغيرًا يبقى بين الأسنان عادة.
أما إذا دخل ذلك القدر في فمه فهو مفطر؛ لأن ذلك مما يستطاع الامتناع منه.
فإن كان بحيث لا يبقى بين الأسنان عادة يفسد صومه؛ لأن هذا لا تكثر فيه البلوى، والتحرز عنه ممكن وقدروا ذلك بالحمصة فإن كان دونها لم يفسد به الصوم وقدر الحمصة إذا أدخله في حلقه فسد صومه، وعليه القضاء ولا كفارة عليه.
مسألة: رجل قال لله علي صوم شهر
له أن يصومه متفرقًا أما وجوب الصوم بنذره؛ فلأنه عاهد الله عهدًا، والوفاء بالعهد واجب قال الله تعالى: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ»[16]، وذم من ترك الوفاء بالعهد بقوله: «وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ»[17]
ثم ما كان من جنسه واجب شرعًا صح التزامه بالنذر، وما ليس من جنسه واجب شرعًا كعيادة المريض لا يصح التزامه بالنذر. مسألة: إن سمى شهرًا بعينه كرجب
عليه أن يصومه، وإن لم يصمه فعليه القضاء وكذلك إن أفطر فيه يومًا فعليه قضاء ذلك اليوم بالقياس على ما وجب بإيجاب الله تعالى من الصوم في وقت بعينه، وهو صوم رمضان.
ويستوي إن كان قال: متتابعًا، أو لم يقل؛ لأن الصفة في العين غير معتبرة وأيام شهر بعينه متجاوزة لا متتابعة فلا يلزمه صفة التتابع فيه، وإن نص عليه، أو نواه.
بخلاف ما إذا سمى شهرًا بغير عينه؛ لأن الوصف في غير المعين معتبر، ثم في العين إذا لم يصمه حتى وجب عليه القضاء فله أن يفرق القضاء؛ لأن القضاء معتبر بالأداء كما في صوم رمضان.
أما إن كان أراد يمينًا فعليه كفارة اليمين سواء أفطر في جميع الشهر، أو في يوم منه؛ لأن المنوي من محتملات لفظه؛ فإن الحالف يعاهد الله تعالى كالناذر، ثم شرط حنثه أن لا يصوم جميع الشهر فسواء أفطر فيه يومًا، أو أكثر فقد وجد شرط الحنث.
والحاصل أنه إذا لم ينو شيئًا كان كلامه نذرًا باعتبار الظاهر والعادة، وإن نوى اليمين كان يمينًا نذرًا بظاهره، وإن نواهما جميعا كان نذرًا ويمينًا.
مسألة: إن نذر صوم سنة بعينها
يفطر يوم النحر، ويوم الفطر، وأيام التشريق؛ لأن الصوم في هذا الأيام منهي عنه شرعًا، ثم عليه قضاء هذه الأيام عندنا.
مسألة: وإن التزم سنة بغير عينها
عليه قضاء خمسة وثلاثين يومًا؛ لأن صوم رمضان لا يكون عن المنذور.
مسألة: ولو قال: سنة متتابعة عليه أن يصل هذا القضاء بالأداء.
مسألة: رجل جعل لله عليه أن يصوم كل خميس يأتي عليه؛ فأفطر خميسًا
عليه القضاء وكفارة اليمين إن أراد يمينًا؛ فإن أفطر خميسًا آخر قضاه أيضًا، ولم يكن عليه كفارة أخرى؛ لأن اليمين واحدة فإذا حنث فيها مرة لا يحنث مرة أخرى، وبحكم النذر لزمه صوم كل خميس فكل ما أفطر في خميس كان عليه قضاؤه، وهذا؛ لأن إيجاب القضاء في كل خميس لا يقتضي تعدد النذر بخلاف إيجاب الكفارتين.
مسألة: وإن جعل لله عليه أن يصوم اليوم الذي يقدم فيه فلان أبدًا؛ فقدم فلان ليلًا
لم يلزمه شيء؛ لأن اليوم حقيقة لبياض النهار، ولم يوجد ذلك عند قدوم فلان. فإن قدم فلان في يوم قد أكل فيه فعليه أن يصوم ذلك اليوم فيما يستقبل ولا يقضي هذا اليوم الذي أكل فيه.
مسألة: رجل أصبح صائمًا يوم الفطر ثم أفطر
لا قضاء عليه؛ لأنه لم يجب عليه الإتمام بعد الشروع لأن فيه معصية، ووجوب القضاء ينبني على وجوب الإتمام؛ ولأن القدر المؤدى كان فاسدًا لما فيه من ارتكاب النهي؛ فلا يجب عليه حفظه ووجوب الإتمام والقضاء لحفظ المؤدى.
مسألة: امرأة قالت: لله علي أن أصوم يوم حيضي
لا شيء عليها؛ لأن الحيض ينافي أداء الصوم، ومع التصريح بالمنافي لا يصح الالتزام؛ كمن قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي أكلت فيه.
وكذلك إن حاضت ثم قالت: لله علي أن أصوم هذا اليوم؛ لأن المنافي متحقق فكأنها صرحت به.
فإن قالت: لله علي أن أصوم غدًا فحاضت من الغد؛ فعليها القضاء؛ لأنه ليس في لفظها تصريح بالمنافي؛ فصح الالتزام ثم تعذر عليها الأداء بما اعترض من الحيض؛ فعليها القضاء.
مسألة: إذا دخل الغبار، أو الدخان حلق الصائم
لا يضره؛ لأن هذا لا يستطاع الامتناع منه؛ فالتنفس لا بد منه للصائم، والتكليف بحسب الوسع.
مسألة: لو أكره على أكل وشرب
عليه القضاء دون الكفارة عندنا؛ فالعبرة وصول المفطر إلى باطنه مع ذكره للصوم، وذلك لا يختلف بفعله وبفعل غيره.
مسألة: إن صب في حلق النائم ماء
يفسد صومه عندنا، فالناسي معدول به عن القياس بالنص، وهذا ليس في معناه؛ لأن النسيان لا صنع فيه للعباد.
حكم السواك للصائم
يجوز للصائم أن يستاك بالسواك أول النهار وآخره. ودليله: قوله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ»[18] وقال: «لولا أن أشق علىأمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة، ومع كل وضوء سواك، ولأخرت العشاء إلى نصف الليل»[19]، ثم هو تطهير للفم فلا يكره للصائم كالمضمضة، والسواك لا يزيل الخلوف بل يزيد فيه إنما يزيل النكهة الكريه.
حكم المرضع والحامل
إذا خافت الحامل، أو المرضع على نفسها أو ولدها أفطرت لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنْ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ أو الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ -أَوْ الصِّيَامَ»[20]؛ ولأنه يلحقها الحرج في نفسها أو ولدها، والحرج عذر في الفطر كالمريض والمسافر.
وعليها القضاء ولا كفارة عليها؛ لأنها ليست بجانية في الفطر، ولا فدية عليها، لأنه يرجى لها القضاء فلا يلزمها الفداء كالمريض والمسافر، وهذا؛ لأن الفدية مشروعة خلفًا عن الصوم والجمع بين الخلف والأصل لا يكون. وهو خلف غير معقول بل هو ثابت بالنص في حق من لا يطيق الصوم؛ فلا يجوز في حق من يطيق الصوم.
أما الشيخ الكبير والذي لا يطيق الصوم فإنه يفطر، ويطعم لكل يوم نصف صاع من حنطة.
وذلك لأن الصوم قد لزمه لشهود الشهر؛ حتى لو تحمل المشقة وصام كان مؤديًا للفرض، وإنما يباح له الفطر لأجل الحرج، وعذره ليس بعرض الزوال حتى يصار إلى القضاء فوجبت الفدية؛ كمن مات وعليه الصوم.
مسألة: إذا أكل الصائم الطين، أو الجص، أو الحصاةمتعمدًا فعليه القضاء ولا كفارة عليه.
حكم العلك للصائم
يكره للصائم مضغ العلك ولا يفطره؛ لأن مضغ العلك، يدبغ المعدة، ويشهي الطعام، ولم يأن له؛ فهو اشتغال بما لا يفيد، والناظر إليه من بعد يظن أنه يتناول شيئًا فيتهمه، ولا يأمن أن يدخل شيئًا منه حلقه؛ فيكون معرضًا صومه للفساد، ولكن لا يفطره؛ لأن عين العلك لا تصل إلى حلقه إنما يصل إليه طعمه.
وهذا إذا كان العلك مصلحًا ملتئمًا فأما إذا لم يكن ملتئمًا فمضغه حتى صار ملتئمًا يفسد صومه؛ لأنه تتفتت أجزاؤه فيدخل حلقه مع ريقه.
مضغ الطعام للصبي
لا بأس بأن تمضغ المرأة لصبيها طعامًا إذا لم تجد منه بدًا؛ لأن الحال حال الضرورة، ويجوز لها الفطر لحاجة الولد فلأن يجوز مضغ الطعام كان أولى فأما إذا كانت تجد من ذلك بدًا يكره لها ذلك؛ لأنها لا تأمن أن يدخل شيء منه حلقها فكانت معرضة صومها للفساد، وذلك مكروه عند عدم الحاجة قال: صلى الله عليه وسلم: «فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه»[21]. =
————————————————————————————————–
[1] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال وجواز فطر الصائم نفلًا من غير عذر – ح (1154).
[2] صحيح مسلم ـ كتاب: الصيام ـ باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه ــ ح (1136).
[5] صحيح البخاري – كتاب الإيمان والنذور – باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان – ح (6287).
[6] سنن النسائي – كتاب الصيام – النية في الصيام والاختلاف على طلحة بن يحيى بن طلحة في خبر عائشة فيه، ثم أورد بابًا تحته وقال: ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك – ح 2331.
[7] يشير إلى حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كانَ رَسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو صَحِيحٌ يقولُ: إنَّه لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ قَطُّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحَيَّا -أوْ يُخَيَّرَ- فَلَمَّا اشْتَكَى وحَضَرَهُ القَبْضُ ورَأْسُهُ علَى فَخِذِ عَائِشَةَ، غُشِيَ عليه، فَلَمَّا أفَاقَ شَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ سَقْفِ البَيْتِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ في الرَّفِيقِ الأعْلَى، فَقُلتُ: إذنْ لا يُجَاوِرُنَا، فَعَرَفْتُ أنَّه حَديثُهُ الذي كانَ يُحَدِّثُنَا وهو صَحِيحٌ». صحيح البخاري – كتاب المغازي – باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته – ح (4173).