مسألة: رجل أغمي عليه في شهر رمضان حين غربت الشمس فلم يفق إلا بعد الغد
ليس عليه قضاء اليوم الأول؛ لأنه لما غربت الشمس، وهو مفيق فقد صح منه نية صوم الغد وركن الصوم هو الإمساك والإغماء لا ينافيه فتأدى صومه في اليوم الأول لوجود ركنه وشرطه، وعليه قضاء اليوم الثاني؛ لأن النية في اليوم الثاني لم توجد، وقد بينا أن صوم كل يوم يستدعي نية على حدة وبمجرد الركن بدون الشرط لا تتأدى العبادة:
مسألة: إذا نظر إلى فرج امرأته فأنزل
صومه تام ما لم يمسها.، والنظر كالتفكر على معنى أنه مقصور عليه غير متصل بها، ولو تفكر في جمال امرأة فأنزل لم يفسد صومه؛ فكذلك إذا نظر إلى فرجها، ولو كان هذا مفسدًا للصوم لم يشترط فيه التكرار كالمس.
مسألة: إن جامع متعمدًا
عليه أن يتم صوم ذلك اليوم بالإمساك تشبهًا بالصائمين، وعليه قضاء ذلك اليوم والكفارة.
ودليلنا أنه وجب عليه الصوم بشهود الشهر وقد انعدم الأداء منه فيلزمه القضاء كما لو كان معذورًا، وفوت ما لزمه من الأداء فيضمنه بمثل من عنده كما في حقوق العباد.
وأما وجوب الكفارة فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أفطر في رمضان متعمدًا فعليه ما على المظاهر»[1].
ترتيب الكفارة، هي مرتبة عند علمائنا والشافعي رحمهم الله تعالى
ودليلنا: ما روينا من قوله صلى الله عليه وسلم: «فعليه ما على المظاهر»[2].
ثم بعد العجز عن العتق كفارته بالصوم الأعلى، والصوم مقدر بالشهرين بصفة التتابع إلا على قول ابن أبي ليلى فإنه يقول إن شاء تابع، وإن شاء فرق بالقياس على القضاء وما روينا من الآثار حجة عليه.
مسألة: هل على المرأة كفارة؟
تجب عليها إن طاوعته، كما تجب الكفارة على الرجل، ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «من أفطر في رمضان»[3]، وكلمة من تعم الرجال والنساء، وتبين بهذا أن السبب الموجب للكفارة فطر هو جناية كاملة، وهذا السبب يتحقق في جانبها كما يتحقق في جانبه فنلزمها الكفارة.
وبيان النبي صلى الله عليه وسلم الكفارة في جانبه بيان في جانبها؛ لأن كفارتهما واحدة.
مسألة: إنغلبها على نفسها
عليها القضاء دون الكفارة، وعلى قول الشافعي رحمه الله تعالى لا يفسد صومها، والكلام في هذا نظير الكلام في الخاطئ وقد بيناه.
حكم من أكل أو شرب متعمدًا
عليه القضاء والكفارة عندنا، ودليلنا حديث أبي هريرة: «أن رجلًا قال: يا رسول الله أفطرت في رمضان فقال: من غير مرض ولا سفر؟ فقال: نعم؛ فقال: أعتق رقبة»[4]، وإنما فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سؤاله الفطر بما يحوجه إليه كالمرض والسفر، وقال علي رضي الله عنه: «إنما الكفارة في الأكل والشرب والجماع».
ولأن فطره تضمن هتك حرمة النص فكان كالفطر بالجماع؛ وبيانه أن نص التحريم بالشهر يتناول ما يتناوله نص الإباحة بالليالي، وهتك حرمة النص جناية متكاملة، ثم نحن لا نوجب الكفارة بالقياس وإنما نوجبها استدلالًا بالنص؛ لأن السائل ذكر المواقعة، وعينها ليس بجناية؛ بل هو فعل في محل مملوك؛ وإنما الجناية الفطرية فتبين أن الموجب للكفارة فطر هو جناية.
وقد جعلنا النص الوارد في الأكل حال النسيان كالوارد في الجماع؛ فكذلك يجعل النص الوارد في إيجاب الكفارة بالمواقعة كالوارد في الأكل والدواعي تبع فلا تتكامل به الجناية.
وحاصل المذهب عندنا أن الفطر متى حصل بما يتغذى به، أو يتداوى به تتعلق الكفارة به زجرًا فإن الطباع تدعو إلى الغذاء وكذلك إلى الدواء لحفظ الصحة، أو إعادتها؛ فأما إذا تناول مالا يتغدى به كالتراب والحصاة يفسد صومه.
وركن الصوم الكف عن إيصال الشيء إلى باطنه، وقد انعدم ذلك بتناول الحصاة؛ ثم لا كفارة عليه.
مسألة: تكرار الجماع
إن جامعها ثانيًا في الشهر فعليه كفارة واحدة عندنا، ودليلنا أمران: أحدهما: أن كمال الجناية باعتبار حرمة الصوم والشهر جميعًا حتى أن الفطر في قضاء رمضان لا يوجب الكفارة لانعدام حرمة الشهر، وباعتبار تجدد الصوم لا تتجدد حرمة الشهر ومتى صارت الحرمة معتبرة لإيجاب الكفارة مرة لا يمكن اعتبارها لإيجاب كفارة أخرى؛ لأنها تلك الحرمة بعينها.
والثاني: أن كفارة الفطر عقوبة تدرأ بالشبهات فتتداخل كالحدود وبيان الوصف أن سبب الوجوب جناية محضة على حق الله تعالى، والجنايات سبب لإيجاب العقوبات، والدليل عليه سقوطها بعذر الخطأ بخلاف سائر الكفارات.
مسألة: إن أفطر في يوم وكفر، ثم أفطر في يوم آخر
عليه كفارة أخرى، وذلك لأن السبب فطر هو جناية على الصوم، وحرمة الشهر محل تغلظ به هذه الجناية، والعبرة للأسباب دون المحال لذا عليه كفارة أخرى.
قاعدة: كل صوم في القرآن لم يذكره الله متتابعًا فله أن يفرقه وما ذكر متتابعا فليس له أن يفرقه
أما المذكور متتابعا فصوم كفارة القتل وكفارة الظهار؛ فإن النص ورد بقدر معلوم مقيد بوصف، فكما لا يجوز الإخلال بالقدر المنصوص، فكذا بالوصف المنصوص.
أما ما لم يذكره متتابعًا فصوم القضاء. قال الله تعالى: «فعدة من أيام أخر»[5]، ويجوز القضاء متتابعًا ومتفرقًا؛ لأنه مطلق عن الوصف.
وقال ابن عباس – رحمه الله تعالى – انهموا ما أنهم الله.
والذي في قراءة أبي بن كعب فعدة من أيام أخر متتابعة شاذ غير مشهور وبمثله لا تثبت الزيادة على النص
مسألة: رجل جامع امرأته في يوم من رمضان ثم حاضت المرأة ومرض الرجل في ذلك اليوم
تسقط عنهما الكفارة عندنا، ودليلنا أن ما طرأ عليهما ينافي استحقاق الصوم بدليل أنه لو لم يفطر حتى مرض يباح له الفطر، والكفارة لا تجب إلا بالفطر في صوم مستحق، واستحقاق الصوم في يوم واحد لا يتجزأ فتقرر المنافاة للاستحقاق في آخر النهار يمكن شبهة منافاة الاستحقاق في أوله.
مسألة: رجل أصبح صائمًا في غير رمضان يريد به قضاء رمضان ثم أكل متعمدًا
أساء ولا كفارة عليه؛ لأن وجوب الكفارة بالنصوص، والنصوص وردت بالفطر في رمضان، والفطر في غير رمضان ليس في معنى الفطر في رمضان من كل وجه؛ لأن هذا اليوم ما كان متعينًا لقضائه،
مسألة: مسافر أصبح صائمًا في رمضان، ثم أفطر قبل أن يقدم مصره أو بعدما قدم
لا كفارة عليه؛ لأن أداء الصوم في هذا اليوم ما كان مستحقًا عليه حين كان مسافرًا في أوله؛ فهذا والفطر في قضاء رمضان سواء.
تأخير القضاء لما بعد رمضان:
رجل عليه قضاء أيام من شهر رمضان؛ فلم يقضها حتى دخل رمضان من قابل؛ فصامها منه فإن صيامه عن هذا الرمضان الداخل، وعليه قضاء رمضان الماضي، ولا فدية عليه عندنا. وهو مروي عن علي وابن مسعود رحمهما الله تعالى.
ولنا ظاهر قوله تعالى «فعدة من أيام أخر»[6]، وليس فيها توقيت، والتوقيت بما بين الرمضانين يكون زيادة.
ثم هذه عبادة مؤقتة؛ قضاؤها لا يتوقت بما قبل مجيء وقت مثلها كسائر العبادات.
ولأن كان القضاء مؤقتًا بما بين الرمضانين؛ فالتأخر عن وقت القضاء كالتأخر عن وقت الأداء، وتأخير الأداء عن وقته لا يوجب عليه شيئًا؛ إنما وجوب الصوم باعتبار السبب لا بتأخير الأداء؛ فكذلك تأخير القضاء عن وقته.
والفدية إنما تقوم مقام الصوم عند اليأس منه كما في الشيخ الفاني وبالتأخير لم يقع اليأس عن الصوم، والقضاء واجب عليه فلا معنى لإيجاب الفدية.
وكما لم يتضاعف القضاء بالتأخير فكذلك لا ينضم القضاء إلى الفدية؛ لأنه في معنى التضعيف.
الشك في طلوع الفجر
إن شك في الفجر فأحب إلى أن يدع الأكل، وإن أكل، وهو شاك فصومه تام.
أحكام السحور
التسحر مندوب إليه لقوله صلى الله عليه وسلم: «استعينُوا بقائِلَةِ النهارِ على قيامِ الليلِ، وبأَكْلَةِ السَّحَرِ على صيامِ النهارِ»[7]، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فَصْلُ ما بيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ»[8]، والتأخير مندوب إليه قال صلى الله عليه وسلم: «ثلاثٌ من أخلاقِ المرسَلينَ: تعجيلُ الإفطارِ، وتأخيرُ السُّحورِ، والسِّواكِ»[9] إلا أنه يؤخر على وجه لا يشك في الفجر الثاني.
فإن شك فيه فالمستحب أن يدع الأكل لقوله صلى الله عليه وسلم: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ»[10]، والأكل يريبه فإن أكل، وهو شاك فصومه تام؛ لأن الأصل بقاء الليل، والتيقن لا يزال بالشك؛ فإن كان أكبر رأيه أنه تسحر والفجر طالع فالمستحب له أن يقضي احتياطًا للعبادة ولا يلزمه القضاء في ظاهر الرواية، لأنه غير متيقن بالسبب والأصل بقاء الليل.
مسألة: وإن صام أهل المصر من غير رؤية الهلال ولم يصم رجل منهم حتى أبصر الهلال من الغد؛ فصام أهل المصر ثلاثين يومًا والرجل تسعة وعشرين يومًا
ليس على الرجل قضاء شيء، وقد أخطأ أهل المصر حين صاموا بغير رؤية الهلال لقوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين يومًا»[11]؛ فأهل المصر خالفوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا مخطئين.
ومنهم من قال: يرجع إلى قول أهل الحساب عند الاشتباه، وهذا بعيد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصَدَّقَه بما يقولُ، فقد كَفَرَ بما أُنْزِلَ على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم»[12] والذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ»[13] معناه: التقدير بإكمال العدة كما في الحديث المبين.
وإنما لا يجب على الرجل قضاء شيء؛ لأن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يومًا؛ قال صلى الله عليه وسلم «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ»[14].
وقال عبد الله بن مسعود: «ما صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين»[15].
وهكذا عن عائشة فلم يتبين خطأ الرجل فيما صنع فلا يلزمه قضاء شيء، والذي روى «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ شَهْرَا عِيدٍ رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ»[16] المراد في حق الثواب دون العدد لاستحالة أن يقع الخلف في خبر صاحب الشرع.
فإذا كان أهل المصر رأوا هلال شعبان فأحصوا ثلاثين يومًا ثم صاموا؛ فقد أحسنوا، وعلى من لم يصم معهم قضاء يوم؛ لأنا تيقنا أنه أفطر يومًا من شهر رمضان؛ لأن الشهر لا يكون أكثر من ثلاثين يومًا.
مسألة: إذا جامع الرجل امرأته في الفرج فغابت الحشفة ولم ينزل؛ فعليهما القضاء، والكفارة، والغسل.
أما الغسل فلاستطلاق وكاء المني بفعله، وأما الكفارة فلحصول الفطر على وجه تتم الجناية به، فإن قيل تمام الجناية في اقتضاء الشهوة، وذلك لا يحصل بدون إنزال؛ قلنا: اقتضاء الشهوة في المحل يتم بالإيلاج؛ فأما الإنزال تبع لا يعتد به في تكميل الجناية.
فلو جامعها في الموضع المكروه؛ فعليهما الغسل لما بينا، ولا شك في إيجاب الكفارة.
مسألة: إن جامع أو أكل، أو شرب ناسيًافظن أن ذلك يفطره؛ فأكل بعد ذلك متعمدًا
عليه القضاء ولا كفارة عليه؛ لأنه اشتبه عليه ما يشتبه فإن الأكل مع النسيان يفوت ركن الصوم حقيقة، ولا بقاء للعبادة مع فوات ركنها فيكون ظنه هذا في موضعه فصار شبهة في إسقاط الكفارة.
مسألة: لو احتجم فظن أن ذلك فطره فأكل بعد ذلك متعمدًا
عليه القضاء والكفارة؛ لأن ظنه في غير موضعه؛ فإن انعدام ركن الصوم بوصول الشيء إلى باطنه ولم يوجد إلا أن يكون أفتاه مفتي العامة بأن صومه قد فسد؛ فحينئذ لا كفارة عليه؛ لأن الواجب على العامي الأخذ بفتوى المفتي فتصير الفتوى شبهة في حقه، وإن كان خطأ في نفسه، وإن كان سمع الحديث «أفطر الحاجم والمحجوم» فاعتمد ظاهره قال محمد – رحمه الله تعالى-: تسقط عنه الكفارة أيضًا؛ كما لو اعتمد الفتوى وعن أبي يوسف – رحمه الله تعالى – أنها لا تسقط؛ لأن العامي إذا سمع حديثًا فليس له أن يأخذ بظاهره لجواز أن يكون مصروفًا عن ظاهره أو منسوخًا.
مسألة: إن دهن شاربه أو اغتاب فظن أن ذلك فطره؛ فأكل بعد ذلك متعمدًا
عليه القضاء والكفارة سواء اعتمد حديثًا، أو فتوى؛ لأن هذا الظن والفتوى بخلاف الإجماع غير معتبر.
إسلام الكافر أثناء الشهر
إذا أسلم الكافر في النصف من شهر رمضان صام ما بقي من الشهر، وليس عليه قضاء ما مضى منه، وكذلك اليوم الذي أسلم فيه لا يجزيه صومه، وإن لم يأكل ونوى قبل الزوال لانعدام أهلية العبادة في أول النهار، ولكنه يمسك تشبهًا بالصائمين، وليس عليه قضاؤه.
ودليلنا ما روي أن وفد ثقيف حين قدموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أسلموا في النصف من رمضان؛ فأمرهم بصوم ما بقي من الشهر، ولم يأمرهم بقضاء ما مضى[17]. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز؛ لأن وجوب القضاء ينبني على خطاب الشرع بالأداء وذلك لا يكون بدون الأهلية للعبادة، والكافر ليس بأهل لثوابها؛ فلا يثبت خطاب الأداء في حقه، والصوم عبادة معلومة بميعادها، وهو الزمان فلا تصور للصوم منه في الزمن الماضي بخلاف الصلاة فإنها معلومة بأوقاتها؛ والوقت ظرف لها فجعل إدراك جزء من الوقت سببًا لوجوب الأداء ثم القضاء ينبني عليه.
لا تصلي الحائض ولا النفساء ولا تصوم زمان الحيض، فإذا طهرت قضت أيام الصوم ولا تقضي الصلاة لما تقدم بيانه.
أما المستحاضة فإنها تعيد صلاة أيام الاستحاضة إن لم تكن صلتها؛ فإن كانت صلت وصامت فقد جاز؛ لأن المستحاضة في حكم الطاهرات فيما يرجع إلى العبادات.
قال صلى الله عليه وسلم: للمستحاضة: توضئي وصلي، وإن قطر الدم على الحصير قطرًا[18].
الصوم في الأيام المنهي عنها:
لا يجوز شيء من الصوم الواجب أن يصومه في يوم الفطر، أو النحر، أو أيام التشريق؛ لأن الصوم في هذه الأيام منهي عنه.
عن أبي هريرة«أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أمر عبدَ اللهِ بنَ حُذافةَ أن يطوفَ في أيامِ مِنى ألا لا تصومُوا هذه الأيامَ فإنها أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذكرِ اللهِ»[19].
وفي الحديث المشهور الذي روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن صوم ستة أيام»[20].
والمنهي عنه يكون فاسدًا والواجب في ذمته مستحق عليه أداؤه بصفة الصحة فلا يتأدى بما هو فاسد.
مسألة: إن كان على الرجل صيام شهرين متتابعين من فطر أو ظهار، أو قتل؛ فصامها؛ وأفطر فيها يومًا لمرض
عليه استقبال الصيام لانعدام صفة التتابع بالفطر. فإن كانت امرأة فأفطرت فيما بين ذلك للحيض لم يكن عليها استقباله.
مسألة: إن صام عن ظهار شهرين أحدهما رمضان
لم يكن عما نواه وكان عن رمضان؛ لأن صوم الظهار دين في ذمته، فإنما يتأدى ما هو مشروع له الوقت لا ما هو مستحق عليه بجهة مخصوصة، وعليه الاستقبال؛ لأنه يجده شهرين خاليين عن رمضان.
وهذا بخلاف ما إذا نذر أن يصوم رجب فصامه عن الظهار جاز عما نوى؛ لأن صوم رجب كان مشروعًا له، وكان صالحًا لأداء الواجب به قبل النذر، وهو بالنذر موجب على نفسه ما ليس بواجب ولا تبقى صلاحية لغيره إذ ليس له هذه الولاية فأما الشرع لما عين صوم رمضان للفرض نفى صلاحيته لغيره، وللشرع هذه الولاية؛ فلهذا لا يتأدى صوم الظهار من المقيم في رمضان.
مسألة: رجل أصبح صائمًا ينوي قضاء رمضان ثم علم أنه ليس عليه شيء منه
الأحسن له أن يتم صومه تطوعًا، وإن أفطر لم يلزمه شيء، ودليله: أن عمله كان في أداء الفرض؛ أما في حق المكفر فقد كان واجبًا عليه حين شرع ظاهرًا وباطنًا وكذلك في المظنون؛ فإن المرء يخاطب بما عنده لا بما عند الله تعالى، وذلك الفرض الذي شرع فيه قد سقط عنه شرعًا فما بقي من النفل إنما بقي نظرًا من الشرع له لا إيجابًا عليه فالأولى له أن يتمه ولكن لا يلزمه شيء إن لم يتمه؛ لأن الواجب عليه التحرز عن إبطال عمله، وهو لم يبطل عمله بالفطر؛ لأن عمله كان في أداء الفرض دون النفل.
مسألة: إذا أصبحت امرأة صائمة متطوعة ثم أفطرت ثم حاضت
عليها القضاء؛ لأن شروعها في الصوم قد صح لاستجماع شرائط الأداء عند الشروع، ثم بالإفساد وجب القضاء دينًا في ذمتها، والحيض بعد ذلك لا ينافي بقاء الصوم دينًا؛ وإنما يكون الحيض مؤثرًا إذا صادف الصوم، وهنا الحيض لم يصادف فاعتراضه ليلًا، أو نهارًا سواء.
ولأن الشروع كالنذر، ولو نذرت أن تصوم هذا اليوم، ثم أفطرت، ثم حاضت كان عليها القضاء؛ فكذلك إذا شرعت، فإن لم تفطر حتى حاضت فقد ذكر ابن سماعة عن محمد – رحمه الله تعالى – أن عليها القضاء أيضا، وهو الصحيح على ما أشار إليه الحاكم.
وذلك لأن شروعها قد صح فكان بمنزلة نذرها، ولو نذرت أن تصوم هذا اليوم فحاضت فيه كان عليها القضاء، وإن لم يكن تعذر الإتمام مضافا إلى فعلها لا يمنع وجوب القضاء كالمتيمم إذا شرع في النفل ثم أبصر الماء فعليه القضاء.
مسألة: المكفر بالصوم عن ظهار إذا جامع بالنهار عامدًا
يجب عليه الاستقبال سواء جامع التي ظاهر منها أو غيرها لانقطاع التتابع بفعله، فإن جامع بالنهار ناسيًا، أو بالليل عامدًا نظر؛ فإن جامع غير التي ظاهر منها لم يكن عليه الاستقبال؛ لأن جماعه لم يؤثر في صومه فلم ينقطع التتابع.
وإن جامع التي ظاهر منها فعليه الاستقبال في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وهذا هو الواجب عليه بالنص أي: إخلاء الشهرين عن المسيس، وهو قادر على هذا فلا يتأدى الواجب إلا به.
وبيانه أن الله تعالى قال «فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا»[21]، ومن ضرورة الأمر بتقديم الشهرين على المسيس الأمر بإخلائهما عنه، والثابت بضرورة النص كالمنصوص فكان الواجب عليه شيئين عجز عن أحدهما: وهو تقديم الشهرين على المسيس، وهو قادر على الآخر، وهو: إخلاؤهما عن المسيس؛ فيأتي بما قدر عليه وذلك بالاستقبال.
بخلاف جماع غير التي ظاهر منها فإنه غير مأمور بتقديم صوم شهرين على جماعها؛ فلا يكون مأمورًا بإخلائها عنه، وإن لم يؤثر جماعه في الصوم؛ لا يدل على أنه لا يبطل به معنى الكفارة إذا انعدم به الشرط المنصوص.
كما لو أيسر في خلال صوم الكفارة فإن يساره لا يؤثر في الصوم وتبطل به الكفارة.
وحرمة الجماع في حق التي ظاهر منها بدوام الليل والنهار، وفي مثله النسيان والعمد سواء؛ كالجماع في الإحرام، وهذا بخلاف الإطعام فإنه ليس في التكفير بالإطعام تنصيص على التقديم على المسيس والأمر بإخلائه عن المسيس كان لضرورة الأمر بالتقديم على المسيس.
[1] حديث: «مَن أفطَرَ في رَمَضانَ؛ فعليه ما على المُظاهِرِ». قال الحافظ الزيلعي في: نصب الراية: قُلْت: حَدِيثٌ غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ. 2/449، وقال بن قطلوبغا في: تخريج أحاديث أصول البزدوي قال: «المخرّجون لأحاديث الهداية: لم نجده» تخريج أحاديث أصول البزدوي – 327.
[3] يعني الحديث المتقدم: «من أفطر في رمضان متعمدًا فعليه ما على المظاهر»
[4] لعلها رواية الرجل الذي واقع في نهار رمضان، وبهذا اللفظ الذي ذكره المصنف رواه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أفطرت يومًا من رمضان متعمدًا، ووقعت على أهلي فيه. فقال: «أعتق رقبة». قال: لا أجد. قال: «أهد بدنة». قال: لا أجد. فقال: «تصدق بعشرين صاعًا من تمر، أو تسعة عشر، أو أحد وعشرين» قال: لا أجد. فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بمكتل، فيه عشرون صاعًا من تمر، فقال: «تصدق بهذا». فقال: ما بالمدينة أهل بيت أحوج إليه منا. قال: «فأطعمه أهلك» – المعجم الأوسط – الطبراني – (1787).
[12] السنة – أبو بكر بن الخلال – بَابُ مُنَاكَحَةِ الْمُرْجِئَةِ – ح (1398)، السنن الكبرى – البيهقي – كتاب القسامة – باب تكفير الساحر وقتله إن كان ما يسحر به كلام كفر صريح – ح (16273)، المستدرك على الصحيحين – الحاكم النيسابوري – كتاب الإيمان – ح (15).
[13] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب هل يقال رمضان أو شهر رمضان ومن رأى كله واسعًا – ح (1801)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال – ح (1080).
[14] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا نكتب ولا نحسب – ح (1814)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يومًا – ح (1080).
[16] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب شهرا عيد لا ينقصان – ح (1813).
[17] طية بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة، قال حدثنا وفدنا الذين، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام ثقيف. قال: «وقدموا عليه في رمضان وضرب عليهم قبة في المسجد فلما أسلموا صاموا ما بقي عليهم من الشهر». سنن ابن ماجه – أبواب الصيام – بَابٌ: فِيمَنْ أَسْلَمَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ – ح (1760).