حكم المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر: له حالان: أحدهما: أن يفيق بعد مضي زمان رمضان، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة وسائر الفقهاء لا يلزمه القضاء.
لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ»[1]، ويفارق الإغماء لأن الإغماء مرض يحدث مثله بالأنبياء، والجنون نقص يزول معه التكليف، ولا يجوز حدوث مثله بالأنبياء.
والحال الثانية: أن يفيق في خلال شهر رمضان فعليه أن يستأنف صيام ما بقي، ولا يلزمه قضاء ما مضى.
مسألة: إن أفاق ليلًا واستأنف الصيام من الغد وإن أفاق نهارًا فهل يلزمه قضاء يومه، أم لا؟ على وجهين مضيا، أما قضاء ما مضى فلا يلزمه.
ودليله: ما روي عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثةٍ»[2] ذكر فيها المجنون حتى يفيق.
ولأنه معنى لو دام جميع الشهر أسقط القضاء فوجب إذا اتصل بعض الشهر أن يسقط القضاء.
ولأنه زمان مر عليه في الجنون، فوجب أن لا يلزمه القضاء أصله إذا جن جميع الشهر.
ما ينبغي أن ينزه الصائم صومه عنه: ينبغي أن ينزه صومه عن: الكذب والغيبة والشتم والنميمة، فكل واحد ممنوع منه غير أن الصائم بالمنع أولى لقوله تعالى: «إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا» إلى قوله: «مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ»[3]، فالظلم وإن كان قبيحًا في جميع السنة؛ فهو في الأشهر الحرم أقبح، وإنما كان الصائم بالمنع أولى، لأن الصيام أفضل أعمال القرب.
وروي عن عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[4].
وروى المقبري عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلاَّ الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلاَّ السَّهَرُ»[5].
وروى أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» [6]، وفيه تأويلان:
أحدها: إنه في قوله: إني صائم إني صائم شفاء لغيظه وسكونًا لنفسه، فيمتنع عن جواب خصمه.
والثاني: ليعلم خصمه صيامه، فيكف عن شتمه وأذاه.
فلو خالف هذا فكذب، أو اغتاب، أو نم، أو شتم كان آثمًا مسيئًا وهو على صومه، وبه قال جميع الفقهاء إلا الأوزاعي فإنه قال: قد أفطر، ولزمه القضاء.
ودللينا أن كل شيء كان المباح منه لا يفطر، فإن المحظور منه لا يفطر، أصله القبلة وعكسه الأكل والجماع.
حكم الشيخ الهرم والشيخة الهرمة إذا عجزا عن الصوم: إذا عجزا عن الصوم لعارض يرجى زواله فهما كالمريض؛ لهما أن يفطر أو يقضيا إذا أطاقا، ولا كفارة عليهم.
أما إذا عجزا عن الصيام لضعف الكبر، وما لا يرجى زواله، أو كانا يلحقا في الصوم مشقة عظيمة، فلهما أن يفطرا، وعليهما أن يطعما عن كل يوم مدًا إن أمكنهما، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وصاحباه.
والدلالة على وجوب الفدية قوله تعالى: «وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ»[7]ووجه الدلالة فيهما أن الله تعالى كان قد خير الناس في بدء الإسلام بين أن يصوموا، وبين أن يفطروا، ثم يفتدوا ثم حتم الله الصيام على من أطاقه، بقوله تعالى: «فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ»[8] وبقي من لم يطق على حكم الأصل في جواز الفطر ووجوب الفدية، وقد كان ابن عباس يقرأ : «وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ»[9]يعني يكلفونه، فلا يقدرون على صيامه وقراءة الصحابي تجري مجرى خبر الواحد في وجوب العمل به لأنه لا يقول ذلك إلا سماعًا، وتوقيفًا، وإنما عدل الشافعي عن الاستدلال بهذه القراءة، لأنها تشذ عن الجماعة، وتخالف رسم المصحف.
ويدل على ما ذكرناه إجماع الصحابة، وهو ما روي عن علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، أنهم قالوا: الهرم عليه الفدية إذا أفطر، وليس لهم في الصحابة مخالف.
ولأنه صوم واجب فجاز أن يسقط إلى بدل، وهو الطعام أصله الصوم في كفارة الظهار.
ولأنها عبادة يدخل في جبرانها المال فجاز أن يقوم فيه غير عمله مقام عمله أصله الحج.
حكم السواك للصائم: يكره للصائم أن يستاك عشيًا من زوال الشمس إلى غروبها. فأما السواك غدوة إلى قبل الزوال فجائز.
والدلالة على كراهته عشيًا ما روي عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وفيه: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»[10].
وما هذه صفته يجب أن يكون مستحبًا، وما كان مستحبًا فإزالته مكروهة، وخلوف الصوم يكون عشيًا، فأما غدوة فعن نوم.
ولأنها عبادة تعلقت بالفم فجاز أن يكون للصوم تأثير في منعها؛ كالمبالغة في المضمضة والاستنشاق.
ولأنها رائحة تولدت من عبادة، فجاز أن يكره قطعها، أصله غسل دم الشهيد.
فأما السواك بالعود الرطب فقد ذهب الشافعي وأبو حنيفة والفقهاء إلى جوازه بالعود الرطب واليابس، من غير كراهة؛ لأن كل من استحب له السواك بالعود اليابس استحب له السواك بالعود الرطب، كغير الصائم.
ولأن رطوبة العود ليس بأكثر من رطوبة الماء في المضمضة ثم لم يمنع الصائم منها، كذلك من رطوبة العود.
حكم صيام التطوع والخروج منه قبل تمامه: إذا دخل الرجل في صيام التطوع، أو صلاة التطوع، فالمستحب له إتمام ذلك، فإن خرج منه قبل إتمامه جاز ولا قضاء عليه معذورًا كان، أو غير معذور، وهو في الصحابة قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس، وابن مسعود، وفي الفقهاء قول الثوري وأحمد وإسحاق.
والدلالة على جواز الخروج من ذلك قبل إتمامه ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: إِنَّا خَبَأْنَا لَكَ حَيْسًا. فَقَالَ: «أَمَا إِنِّي كُنْتُ أُرِيدُ الصَّوْمَ وَلَكِنْ قَرِّبِيهِ»[11] .
فإن قيل فقوله: أريد الصوم لا يدل على أنه صائم، وإنما أخبر عن إرادة يحدثها، قيل قد أخر أنه أراد الصوم، فيما مضى ومن أراد الصوم فيما مضى كان صائمًا في الحال على أنا روينا عنه، أنه قال: «قدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا، ولكن قريبه»[12]
وروى شعبة عن جعدة عن أم هانئ وهي جدته عَنْ أُمِّ هَانِئٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَ يَقُولُ: «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ؛ إِنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ»[13].
وروي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: «إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم تطوعا فليفطر فإن ذلك أعظم للأجر»[14].
ولأنها عبادة يخرج بالفساد منها فوجب أن لا يلزمه بالدخول فيها كالاعتكاف، أو كمن أحرم بصلاة فريضة قبل دخول وقتها.
والدلالة على سقوط القضاء ما روي عن أم هانئ قالت: «لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ قَالَ: فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً. فَقَالَ لَهَا: «أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا». قَالَتْ: لاَ قَالَ: «فَلاَ يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا»[15].
ولأنها عبادة يخرج بالفساد منها فوجب إذا تطوع بالدخول فيها ثم أفسدها لا يلزمه القضاء كالطهارة، والاعتكاف.
النهي عن الوصال في الصوم: الوصال في الصيام هو: أن يصوم الرجل يومه؛ فإذا دخل الليل امتنع من الأكل والشرب، ثم أصبح من الغد صائمًا فيصير واصلًا بين اليومين بالإمساك لا بالصوم؛ لأنه قد أفطر بدخول الليل، وإن لم يأكل.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[16].
فهذا هو الوصال المكروه الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الأصل فيه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واصل؛ فواصل الناس؛ ثم نهاهم عن الوصال فانتهوا؛ ثم واصل فواصلوا فقال: «أما إني كنت نهيتكم عن الوصال» فقالوا: رأيناك واصلت فواصلنا؛ فقال: «إني لست مثلكم إني أطعم وأسقى»[17] .
وروى أبو هريرة أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تُواصِلُوا، قالوا: إنَّكَ تُواصِلُ، قالَ: إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي»[18].
وفيه تأويلان: أحدهما: إنه يطعمه ويسقيه حقيقة. والثاني: إنه يمده من القوة بما يقوم مقام الطعام والشراب.
إذا ثبت هذا، فالوصال مكروه لما ذكرنا، ولأن الوصال يورث ضعفًا، ويقاسي فيه مشقة وجهدًا فربما أعجزه عن أداء مفترضاته، فإن واصل فقد أساء وصومه جائز، لأن النهي توجه إلى غير زمان الصوم فلم يكن ذلك قادحًا في صيامه.
صوم يوم عرفة: يستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، لما روي عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال «صيام يوم عرفة كفارة سنتين»[19] وروى أبو قتادة كفارة السنة والسنة التي تليها[20].
وفيه تأويلان: أحدهما: إن الله تعالى يغفر له ذنوب سنتين. والثاني: إن الله تعالى يعصمه في هاتين السنتين فلا يعصي فيهما.
أما صيام يوم عرفة للحاج، فقد اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب.
أحدها: وهو قول عائشة وابن الزبير رضي الله عنهما وإسحاق، أن الأولى لهم صيامه كسائر الناس.
والمذهب الثاني: وهو قول عطاء إن كان صيفًا، فالأولى لهم إفطاره، وإن كان شتاءً فالأولى لهم صيامه.
والمذهب الثالث: وهو قول الشافعي، وسائر الفقهاء إن الأولى لهم أن يفطروا يوم عرفة، لما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ»[21].
وعن أم الفضل بنت الحارث «أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ يَوْمَ عَرَفَةَ؛ فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ»[22].
وروى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: «حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصُمْهُ»، وَحَجَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ، وَلَا أَنْهَى عَنْهُ»[23].
ولأن في إفطاره تقوية على أداء حجه، وعلى الدعاء وأفضل الدعاء يوم عرفة.
صوم يوم عاشوراء: عاشوراء هو العاشر من المحرم، وقد صامه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأمر بصيامه، وأنفذ إلى أهل العوالي يأمر من أكل فيه بالإمساك، ومن لم يأكل بالصيام[24].
وكان السبب في صيامه، ما روي أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قدم المدينة فوجد اليهود يصومونه فقال: ما هذا اليوم؟ قالوا هذا اليوم الذي فلق الله فيه البحر لموسى عليه السلام، ونجى الله فيه موسى وأغرق آل فرعون، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نحن أحق بموسى» فصامه رسول الله – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وأمر بصيامه[25].
واختلف الناس في صومه: هل كان فرضًا ثم نسخ أم لا؟
فقال أبو حنيفة وطائفة: كان صومه فرضًا، ثم نسخ بشهر رمضان. وقال آخرون وهو بمذهب الشافعي أشبه: إن صومه لم يزل مسنونًا لما رواه الشافعي عن شقيق عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال يَومَ عَاشُورَاءَ عَامَ حَجَّ علَى المِنْبَرِ: «يا أهْلَ المَدِينَةِ، أيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: هذا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، ولَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ علَيْكُم صِيَامَهُ، وأَنَا صَائِمٌ، فمَن شَاءَ فَلْيَصُمْ، ومَن شَاءَ فَلْيُفْطِرْ»[26].
وأما يوم التاسع من المحرم فيستحب صومه لما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»[27]. فمات قبله.
ما ورد في تفضيل بعض شهور السنة وأيامها على بعض
روي عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تفضيل بعضها على بعض، ما أنا ذاكره، فمن ذلك:
صوم شهر المحرم: روي عن رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فضل صيامه أنه سئل: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الصَّوْمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «صَوْمُ شَعْبَانَ تَعْظِيمًا لِرَمَضَانَ»[28].
صوم شعبان: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصومُ حتى نقولَ: لا يُفطِرُ، ويُفطِرُ حتى نقولَ: لا يصومُ، وما رأيتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استكمَلَ صِيامَ شَهرٍ قَطُّ إلَّا رَمضانَ، وما رأيتُه في شَهرٍ أكثَرَ منه صيامًا في شَعبانَ»[29].
صيام الأيام البيض من كل شهر: روي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أمر بصيام الثلاث من كل شهر[30].
وفيه ثلاثة تأويلات:
أحدهما: أنها أيام البيض.
والثاني: إنها الأيام الأول من كل شهر.
والثالث: إنه أكثره.
واختلف الناس في الأيام البيض، هل كانت فرضًا ثم نسخت؟ على مذهبين:
أحدهما: إنها كانت فرضًا ثم نسخت بشهر رمضان.
والمذهب الثاني: وهو أشبه بمذهب الشافعي، إنها سنة لم تزل.
واختلفوا في زمانها، فقال بعضهم: الثاني عشر، وما يليه. وقال آخرون: الثالث عشر وما يليه.
صيام ستة أيام من شوال بعد يوم الفطر، وكره صيامها مالك وأبو حنيفة لأن في صيامها ذريعة إلى زيادة الصوم فشابهت يوم الشك، والدلالة على أن صيامها سنة ما روي عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ»[31].
يعني: إن الله تعالى يعطي بالحسنة عشرًا، فتحصل له بشهر رمضان وهو ثلاثون يوما بثلاثمائة حسنة وبستة من شوال ستون حسنة، وذلك عدد أيام السنة.
صيام يوم الاثنين والخميس، كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يدع صيام يوم الاثنين والخميس، ولما سئل عن ذلك قال هما يومان تعرض فيهما الأعمال، وأحب أن يعرض لي فيهما عمل صالح[32]، فيختار صيام ما ذكرنا من الشهر، والأيام اقتداء برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والسلف من بعده ما لم يكن في ذك أضعاف جده، وترك ما هو أولى من عباداته، والله الموفق لذلك برحمته.
فضل الصدقة في رمضان وطلب القراءة: يندب للناس أن يكثروا من الجود والإفضال في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ؛ فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»[33].
واقتداءً بالسلف الصالح من بعده، ولأنه شهر شريف قد اشتغل الناس فيه بصومهم عن طلب مكاسبهم.
ويستحب للرجل أن يوسع فيه على عياله ويحسن إلى ذوي أرحامه وجيرانه، لا سيما في العشر الأواخر منه.
ويستحب لمن أمكنه إفطار صائم أن يفطره، فقد روي رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرُهُ، إِنَّهُ لَا يَنْتَقِصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ»[34].
ويُختار له أن يقول إذا أفطر ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ، وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»[35]، ويسأل الله التوفيق لما قرب إليه بمنه وكرمه.
كتاب الاعتكاف
أما الاعتكاف في اللغة فهو: المقام واللبث على الشيء برًا كان أو آثمًا، قال الله تعالى: «فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ»[36] أي: يقيمون وقال امرؤ القيس:
تظل الطير عاكفة عليهم … وتنتزع الحواجب والعيونا
وقال أبو ذؤيب:
فهن عكوف كنوح الحمام … قد شفى أكبادهن الهوى
ثم جاء الشرع فقرر الاعتكاف لبثًا على صفة في مكان مخصوص.
والأصل فيه قوله: «وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ» [37]، وقوله تعالى: «أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ»[38]، وفيه تأويلان:
أحدهما: تطهيره من الكفار.
والثاني: من الأصنام.
وروى أبو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه الله عنه قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا»[39].
وروى الزهري عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ»[40].
فإذا تقرر هذا، فالاعتكاف سنة حسنة وقربة مأمور بها غير واجبة ولازمة.
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الأول
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثاني
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثالث
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الرابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الخامس
مختصر الحاوي الكبير – الجزء السادس
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا
——————————————————————————–
