كفارة الوطء في رمضان: كفارة الوطء في رمضان مرتبة بلا تخيير فيبدأ بالعتق، فإن قدر عليه لم يصم، وإن عجز عنه صام شهرين متتابعين، فإن عجز عنه أطعم ستين مسكينًا، وبه قال أكثر الفقهاء.
والدليل: أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال للرجل: أعتق رقبة فقال لا أجد، فقال صم شهرين متتابعين، فقال: لا أستطيع، فقال: أطعم ستين مسكينًا[1]، فلم ينقله عن العتق إلى الصيام إلا بالعجز عنه فدل على عدم التخيير، ووجوب الترتيب.
ولأنه نوع تكفير يجب بضرب من المأثم، فوجب أن يكون من شرطه الترتيب.
ولأن الكفارات في الشرع ضربان: ضرب بدئ فيها بالأغلظ فكان الترتيب فيها واجبًا، مثل: كفارة الظهار، والقتل بدئ فيها بالعتق. وضرب بدئ فيها بالأخف، فكان التخيير فيها مستحقًا مثل كفارة اليمين بدئ فيها بالإطعام.
ثم وجدنا كفارة الجماع بدئ فيها بالأغلظ، وهو العتق فوجب أن يكون الترتيب فيها مستحقًا.
صفة الرقبة: يبدأ أولًا بعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المضرة بالعمل إضرارًا بينًا.
فإن عدم الرقبة، ولم يقدر عليها صام شهرين متتابعين سوى يوم القضاء.
فإذا أفطر فيها يومًا لزمه الاستئناف، فإن عجز عن الصيام، أطعم ستين مسكينًا لكل مسكين مدًا بمد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو رطل وثلث من الأقوات المزكاة.
والدلالة عليه قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أطعِمْ ستِّين مسكينًا، فقال لا أجِدُ، فأمر النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُؤتَى بعِرقٍ من تمرٍ. ويُروَى بفرَقٍ فيه خمسةَ عشرَ صاعًا، وقال: فرِّقْها على المساكينِ»[2].
والصاع أربعة أمداد، فدل على أن الواجب لكل مسكين مد.
مسألة: إن عدم الإطعام، ولم يجد إلى التكفير سبيلًا ففيه قولان:
أحدهما: قد سقطت عنه الكفارة، وبرئت ذمته منها فإن قدر عليها فيما بعد يلزمه إخراجها، لأن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أذن للأعرابي في أكل التمر حين أخبره بحاجته، ولم يأمره بإخراجها إذا قدر عليها مع جهله بالحكم فيها[3].
وقياسًا على زكاة الفطر إذا عدمها وقت الوجوب، ثم وجدها فيما بعد لتعلقها بطهرة الصوم.
والقول الثاني: وهو الصحيح أن الكفارة لازمة له، وإخراجها واجب عليه، إذا أمكنه؛ لأن الأعرابي لما أخبر رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعجزه عن أجناس الكفارة، لم يبين له سقوطها عنه بل أمر له بما يكفر به من التمر، فدل على ثبوتها في ذمته، وإن عجز عنها وقياسًا على جزاء الصيد يلزمه، وإن أعسر به.
مسألة: حكم الأكل عمدًا: لا كفارة على الآكل عامدًا في رمضان.
ويدل على سقوط الكفارة قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «من استقاء فعليه القضاء ومن ذرعه القئ فلا قضاء عليه»[4]، ولم يأمره بالكفارة، والمستقيء عامدًا كالآكل عامدًا.
ولأنه أفطر بما لا يجب الحد بشيء من جنسه فوجب أن لا تلزمه الكفارة كالمستقيء عامدًا.
ولأنه أفطر بغير جماع فوجب أن لا تلزمه الكفارة العظمى.
ولأن كل عبادة منعت من الوطء، وغيره فحكم الوطء فيها أعلى كالحج، لما استوى حكم الوطء، وغيره في إيجاب الكفارة اختص الوطء أغلظ الأحكام تغليظًا بإفساد الحج فكذلك في الصوم، لما ساوى الوطء الأكل في إفساد الصوم اقتضى أن يختص الوطء بالكفارة تغليظًا دون الأكل.
ولأنها عبادة يتعلق بالوطء فيها كفارة، فلم يستحق تلك الكفارة بمحظور غير الوطء كالحج:
حكم الوطء دون الفرج: إن وطئ دون الفرج، أو قبل، أو باشر؛ فلم ينزل فهو على صومه لا قضاء عليه، ولا كفارة.
وإن أنزل فقد أفطر، ولزمه القضاء إجماعًا، ولا كفارة عليه عندنا.
ودليلنا: أنه إفطار بغير جماع فوجب أن لا تلزمه الكفارة أصله إذا تقيأ عامدًا، والمعنى في الجماع في الفرج الإيلاج لا الإنزال، لأن الكفارة لا تلزمه بالإيلاج أنزل أو لم ينزل.
حكم الحامل والمرضع: لا يخلو حال الحامل والمرضع في إفطارهما من أحد أمرين: إما أن يفطرا لخوف وحاجة، أم لا.
فإن أفطرتا بغير خوف عليهما ولا على ولدهما ولا حاجة دعتهما إلى الإفطار ماسة فحكمهما حكم المفطر عامدًا في الإثم والمعصية، ووجوب القضاء. وأما الكفارة فعلى اختلافهم فيها.
وإن أفطرتا لخوف فذلك ضربان:
أحدهما: أن يكون الخوف عليهما في أنفسهما، وأبدانهما فلا شبهة في جواز فطرهما، ووجوب القضاء عليهما ولا كفارة كالمريض.
والضرب الثاني: أن يكون الخوف على الولد والحمل دون أنفسهما، فلا خلاف أن الفطر مباح لهما، فإذا أفطرتا فمذهب الشافعي في القديم والجديد، وما نقله المزني والربيع أن عليهما القضاء والكفارة في كل يوم مد من حنطة، وبه قال مجاهد وأحمد.
والدلالة على وجوب الكفارة عليه قوله تعالى: «وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ»[5] والحامل والمرضع ممن يطيق الصيام فوجب بظاهر هذه الآية أن تلزمهما الفدية.
فإن قيل: فهذه الآية منسوخة بقوله تعالى«فمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ»[6]، فحتم الصوم على المطيقين، وأسقط عنهم الفدية قيل: إنما نسخ منها التخيير، فيما عدا الحامل والمرضع على حكم الأصل لاتفاقهم على جواز الفطر لهما، مع الطاقة والقدرة فبقيت الحامل والمرضع على حكم الأصل.
ولأنها مقيمة صحيحة باشرت الفطر بعذر معتاد فوجب أن تلزمها الكفارة كالشيخ الهرم.
ولأن الصوم عبادة يجتمع فيها القضاء والكفارة العظمى فجاز أن يجتمع فيها القضاء والكفارة الصغرى كالحج.
حكم من حركت القبلة شهوته: هي مكروهة وإن فعل لم ينتقض صومه وتركه أفضل.
وذهب سائر الفقهاء: إلى أن القبلة لا تفطر الصائم إلا أن ينزل معها، فإن أنزل أفطر، ولزمه القضاء، ولا كفارة وإنما لم يفطر بالقبلة، إذا لم ينزل لما روى عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كَانَ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلكنه أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ»[7]، وإربه بتسكين الراء، وروي لأربه بفتحها وفيه تأويلان:
أحدهما: أرادت العضو نفسه.
والثاني: وهو أصح إنها أرادت شهوته.
وعنها «أن رجلًا جاء إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب؛ فقال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب أفأصوم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم» فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: «والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي»[8].
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه قال: «هَشَشتُ فقَبَّلتُ وأنا صائِمٌ، فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، صَنَعتُ اليَومَ أمرًا عَظيمًا، فقَبَّلتُ وأنا صائِمٌ. قال: أو رأيتَ لو مَضمَضتَ مِنَ الماءِ وأنتَ صائِمٌ؟ قُلتُ: لا بأسَ. قال: فمَهْ»[9].
يعني والله أعلم أن القبلة بلا إنزال كالمضمضة بلا ازدراد.
هل القبلة بلا إنزال مكروهة؟ ينظر في حاله، فإن كانت القبلة تحرك شهوته فهي مكروهة، ولا تبطل صومه إلا أن ينزل، فإن لم تحرك شهوته، فهي غير مكروهة، وتركها أفضل وبه قال ابن عمر وابن عباس.
والدلالة على صحة ما قلناه مع ما رويناه من الأخبار المتقدمة ما رواه أبو هريرة أن رجلا أتى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فسأله عن القبلة للصائم فرخص له فيها، ثم سأله رجل آخر فنهاه عنها، فإذا الذي رخص له فيها شيخ والذي نهاه عنها شاب[10].
ولأن القبلة إنما تكره خوف الإنزال، فإذا لم تتحرك عليه الشهوة أمن الإنزال فلم تكره له، وإذا تحركت عليه الشهوة، خاف الإنزال فكرهت له.
مسألة: إن وطئ دون الفرج فأنزل أفطر ولم يكفر. وسبق أن ذكرنا أنه: إن أنزل أحد عن مباشرة بلا إيلاج ففيه القضاء دون الكفارة مثل أن يمس، أو يلمس أو يقبل أو يضاجع أو يطأ دون الفرج.
مسألة: إن فكر بقلبه فأنزل، فلا قضاء عليه ولا كفارة إجماعًا لأن الفكر من حديث النفس، ورسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا»[11].
ِمسألة: إذا نظر فأنزل فإن كان بأول نظرة لم يأثم، وإن كرر النظر وتلذذ به فقد أثم، ولا قضاء عليه في الحالين
فالنظرة الأولى لا يمكن الاحتراز منها، وما لا يمكن الاحتراز منه لا يقع به الفطر كالدخان والغبار.
مسألة: إذا نوى الصيام من الليل ثم أغمي عليه نهاره أجمع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فمذهب الشافعي أن صومه باطل لأنه أتى بنية مجردة عريت عن قصد وعمل، فشابه الصلاة.
مسألة: أما إذا نوى الصيام من الليل، ثم نام نهاره أجمع، فمذهب الشافعي أنه على صومه لأنه حكم العبادات جار عليه.
والفرق بين النوم، والإغماء واضح، وهو أن النوم جبلة، وعادة تجري مجرى الصحة التي لا قوام للبدن إلا بها، والإغماء عارض مزيل لحكم الخطاب فلم يصح معه الصيام إذا اتصل، واستدام.
مسألة: أما إذا أغمي عليه في بعض النهار، وأفاق في بعضه فقد قال الشافعي هاهنا: إذا أفاق في بعض نهاره صح صومه، وقال في كتاب الظهار إذا أفاق في أول النهار صح صومه، وقال في اختلاف العراقيين: وإذا حاضت أو أغمي عليها بطل صومها، فاختلف أصحابنا في مذهب الشافعي على ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي إن المسألة على ثلاثة أقاويل منصوصة:
أحدها: متى أفاق في بعض نهاره صح صومه.
والثاني: أن صومه لا يصح حتى يكون مفيقًا في أول النهار.
والثالث: أن صومه يبطل بالإغماء كالحيض والجنون.
والوجه الثاني: أن المسألة على قولين:
أحدهما: متى أفاق في بعض النهار صح صومه.
والثاني: لا يصح صومه حتى يكون مفيقًا في أول النهار.
والوجه الثالث: أن المسألة على قول واحد أن صومه لا يصح حتى يكون مفيقًا في أول النهار.
تابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الأول
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثاني
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الثالث
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الرابع
مختصر الحاوي الكبير – الجزء الخامس
مختصر الحاوي الكبير – الجزء السادس
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا
—————————————————————————
