متى يجب الإمساك في الصيام؟ (1)

طرح عليّ سؤال حول الصيام ملخصه: متى يجب الإمساك في رمضان؟ وهل يجب التوقف عن المفطرات قبيل الفجر احتياطًا؟ أم يجب الإمساك عند تحقق دخول الفجر؟ وهل يجوز للصائم تناول الطعام والشراب حتى بعد دخول الوقت؟

لقد أثار هذا الموضوع اهتمامي وحفزني للبحث، خاصةً أنني تعرضت لأكثر من سؤال حول هذه المسألة. لذا، أجبت إجابة مختصرة دون تفصيل، ثم قررت أن أقدم مزيدًا من التفصيل في هذا البحث.

وقبل أن أوضح الحكم الفقهي في المسألة، أود الإشارة إلى وجود خلط بين أمرين:

الأول: عدم تبين وقت الفجر للصائم، ومن صوره الشك في طلوع الفجر

 الثاني: اليقين بأن الفجر قد دخل.

فالأول لا يوجب الإمساك، لأن العلم بدخول الوقت لم يتحقق. أما الثاني، فهو محل البحث.

كما يحدث خلط آخر بين الاحتياط بالإمساك قبل وقت الفجر بعشر دقائق، سواء زادت أو نقصت، وهذا ليس بواجب. وبين بدء وقت وجوب الإمساك، وهو أيضًا محل البحث.

وأقول مستعينًا بالله تعالى: لقد حدّد الله تعالى بداية الصيام ونهايته، فقال: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ»[1].

فالمسلم يبدأ صيامه عند طلوع الفجر الثاني، وهو الفجر الصادق، ويصبح صائمًا بالإمساك عند أول طلوع الفجر الذي يتبين لنا. وهذا هو مذهب الشافعية، وكذلك مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وقد قال بذلك عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار، ونسبه الطبري في تفسيره إلى الحسن والسُّدّيّ وقتادة وأبي بكر بن عياش. قال ابن المنذر: وإلى هذا القول انحاز أكثر العلماء[2].

ومن فقهاء المذاهب الفقهية الذين نصوا على هذا في مصنفاتهم، نذكر هؤلاء:

فمن فقهاء الحنفية: ابن عابدين[3] وابن نجيم[4]، ومن فقهاء المالكية: الدسوقي[5] والقيرواني[6] وابن رشد[7]، ومن فقهاء الشافعية: الماوردي[8] والنووي[9]، ومن فقهاء الحنابلة: ابن قدامة المقدسي[10].

وقد قال ابن عبد البر إن هذا إجماع لم يخالف فيه إلا الأعمش، فكان شاذًا، ولم يعرّج على قوله أحد. والنهار الذي يجب صيامه يمتد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وعلى هذا إجماع علماء المسلمين، فلا وجه للكلام فيه[11].

القول الثاني: إنه بياض النهار وسواد الليل؛ وصفة ذلك البياض أن يكون منتشرًا مستفيضًا في السماء، يملأ ضوءه الطرق.

أما الضوء الساطع في السماء، فإنه غير الذي عناه الله بقوله: «الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ».

وقد نسب الطبري هذا القول لأبي مجلز ومسلم وابن عباس[12].

القول الثالث: هو أن المقصود بالخيط الأبيض في الآية هو ضوء الشمس، والخيط الأسود هو سواد الليل، ونسبه الطبري للأعمش[13].

وقد وجّه الإمام الطبري رأي أصحاب القولين الثاني والثالث، فقال فيما نقله عنه ابن عطية في تفسيره: «ومما قادهم إلى هذا القول إنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم يبدأ من طلوع الشمس، لأن آخره غروبها، فكذلك أوله يكون عند طلوعها»[14].

 

 

الأدلة

أولًا: أدلة الفريق الأول القائل بوجوب الإمساك بدخول وقت الفجر، وهم جمهور الفقهاء من السابقين واللاحقين:

أولًا: قول الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»[15]. جاء في تفسيرها حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: «لما نزلت: «حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ»، قلت: يا رسول الله! إني أجعل تحت وسادتي عِقالين: عقالًا أبيض، وعقالًا أسود لأعرف الليل من النهار؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن وسادتك لعريضة؛ إنما هو سواد الليل وبياض النهار»[16].  والمراد بالفجر هنا: المعترض، الآخذ في الأفق يمنة ويسرة، فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك، وهو مقتضى حديث ابن مسعود وسمرة بن جندب، وهو مذهب الجمهور، وبه أخذ الناس، ومضت عليه الأمصار والأعصار، ووردت به الأحاديث الصحاح[17].

وفي قوله تعالى: «حتى يتبين»: «تحديد لنهاية وقت الإفطار بصريح المنطوق، وقد علم منه لا محالة أنه ابتداء زمن الصوم، إذ ليس في زمان رمضان إلا صوم وفطر، وانتهاء أحدهما مبدأ الآخر؛ فكان قوله: «أتموا الصيام إلى الليل» بيانًا لنهاية وقت الصيام»[18].

وقال الخازن في تفسيره: «واعلم أن الفجر الذي يحرم به على الصائم الطعام والشراب والجماع هو الفجر الصادق المستطير المنتشر في الأفق سريعًا، لا الفجر الكاذب المستطيل»[19].

ولولا خوف الإطالة، لأوردت ما رجحه المفسرون من تفسير هذه الآية، وهو ما ذكرته آنفًا. ويمكن الرجوع إلى أمهات كتب التفسير في هذا الموضع.

ثانيًا: عن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ وَلاَ بَيَاضُ الأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا». وحكاه حمادٌ بيديه، قال: يعني معترضًا، وفي لفظ آخر: أو قال: «حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ»[20].

   ثالثًا: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَجَرٌ يَحْرُمُ فِيهِ الطَّعَامُ وَيَحِلُّ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَفَجَرٌ يَحْرُمُ فِيهِ الصَّلَاةُ، وَيَحِلُّ فِيهِ الطَّعَامُ»[21]، وفي رواية للحاكم عن جابر بلفظ: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَأَمَّا الْفَجْرُ الَّذِي يَكُونُ كَذَنَبِ السَّرْحَانِ فَلَا تَحِلُّ الصَّلَاةُ فِيهِ وَلَا يَحْرُمُ الطَّعَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ مُسْتَطِيلًا فِي الْأُفُقِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلَاةَ، وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ»[22].

وبناءً على هذه الأحاديث، فإن الفجر المحرم هو المستطيل في الأفق، وليس المستطيل، وليس أيضًا ما ينتشر في الطرقات.

يتبع

لتنزيل الكتاب: الرجاء الضغط هنا

—————————————————————————————–

[1] سورة البقرة: 187.

[2] المجموع شرح المهذب – النووي – 6/305.

[3] حاشية ابن عابدين – 3/271.

[4] البحر الرائق شرح كنز الدقائق – ابن نجيم المصري – 2/371.

[5] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير – 6/24.

[6] كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني – 1/ 553.

[7] البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة – 3/ 97 وهو يتحدث عن تعريف النهار والليل الشرعيين.

[8] الحاوي الكبير – 3/ 441.

[9] روضة الطالبين – 5/ 226 وهو يعرف اليوم الشرعي.

[10] المغني – 4/ 325.

[11] التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد – ابن عبد البر – 10/62، وذكر مثله ابن قدامة في المغني – 4/325.

[12] تفسير الطبري – 3/251.

[13] السابق – 3/253.

[14] تفسير ابن عطية – 1/258.

[15] سورة البقرة: 187.

[16] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب قول الله تعالى: «وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل» – ح 1817، وصحيح مسلم واللفظ له – كتاب الصيام – باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك – ح 1090.

[17] تفسير ابن عطية – 1/ 258 – بتصرف.

[18] تفسير التحرير والتنوير – محمد الطاهر بن عاشور – 3/184.

[19] تفسير الخازن – 1/117.

[20] صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر وبيان صفة الفجر الذي تتعلق به الأحكام من الدخول في الصوم ودخول وقت صلاة الصبح وغير ذلك – ح 1094.

[21] صحيح ابن خزيمة – كتاب الصلاة – باب ذكر بيان الفجر الذي يجوز صلاة الصبح بعد طلوعه، إذ الفجر هنا فجران، طلوع أحدهما بالليل، وطلوع الثاني يكون بطلوع النهار – ح 356، وسنن البيهقي الكبرى – جماع أبواب المواقيت – باب الفجر فجران ودخول وقت الصبح بطلوع الآخر منهما – ح 1644.

[22] المستدرك على الصحيحين – الحاكم النيسابوري – كتاب الصلاة – باب في مواقيت الصلاة – ح 691.

مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed