تُطرح مع قدوم شهر رمضان المبارك من كل عام مسألة اختلاف المسلمين في أوروبا في تحديد بداية الشهر، وفي تحديد عيد الفطر كذلك، ويقع خلاف كبير بينهم، فمنهم آخذٌ بالرؤية، ومنهم آخذٌ بالحساب، مع تفصيل في الرأيين وتفريع عليهما، وكلٌ له رأيه ودليله.
وهذه كلمة مختصرة أكتبها في الموضوع، ولا يعنيني هنا ترجيح قول في المسألة، أو بيان المآخذ على هذا القول أو ذاك مما يَرُدّ به أصحاب كل رأي على المخالفين لهم، إنما يهمني هنا التنبيه على أمر جاءت به النصوص ألا وهو الصيام مع الجماعة والإفطار مع الجماعة، ومن هذه النصوص:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ»[1]، وفي رواية أبي داود: عن أبي هُريرة رضي الله عنه ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه قال: «وفِطْرُكم يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وأضْحَاكُم يَوْمَ تُضَحُّونَ، وكُلُّ عَرَفَةَ مَوقِفٌ، وكُلُّ مِنىً مَنْحَرٌ، وكُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وكُلّ جَمْعٍ مَوْقِفٌ»[2].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّى النَّاسُ»[3].
فهذه أحاديث تدل بمجموعها على أن الصوم يكون مع الجماعة، وأن الفطر معها أيضًا، وأن تحديد بداية الشهر ونهايته من المسائل التي ليس للأفراد فيها دخل، وليس لهم التفرد فيها، بل الأمر فيها إلى الإمام والجماعة، ويجب على الآحاد اتباع الإمام والجماعة[4]، فليس للأفراد المخالفة لما مضت عليه الجماعة وعُظم الناس «جمعًا للكلمة، وابتعادًا عن الفرقة والاختلاف»[5].
وذهب بعض العلماء في تفسير الأحاديث الواردة إلى أن من معانيها أن يوم الفطر هو يوم فطر الناس؛ وليس أول شوال مطلقًا «… وكذا يوم النحر يوم يضحي الناس، ويوم عرفة اليوم الذي يظهر لهم أنه يوم عرفة، سواء التاسع والعاشر»[6].
عن مسروق أنه دخل هو ورجل معه على عائشة يوم عرفة، فقالت عائشة: «يَا جَارِيَةُ خُوضِي لَهُمَا سَوِيقًا، وَحَلِّيهِ؛ فَلَوْلَا أَنِّي صَائِمَةٌ لَذُقْتُهُ»، قَالَا: «أَتَصُومِينَ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا تَدْرِينَ لَعَلَّهُ يَوْمُ النَّحْرِ؟» فَقَالَتْ: «إِنَّمَا النَّحْرُ إِذَا نَحَرَ الْإِمَامُ، وَعُظْمُ النَّاسِ، وَالْفِطْرُ إِذَا أَفْطَرَ الْإِمَامُ، وَعُظْمُ النَّاسِ»[7]؛ لذلك استنبط بعض العلماء من مجموع الأحاديث أنه لو رأى الهلالَ جماعةٌ أو واحدٌ أيضًا ، ولم تثبت شهادتهم، أو لم يتقدموا بإثباتها، فلا يجوز لهم أن يصوموا إلا مع الناس، وكذلك لو رأى أحدٌ هِلالَ الفِطر، فإنه لا يُفطر؛ بل يجب أن يصوم مع الناس[8]، فلا يُعد هذا صومًا له كما لم يكن للناس[9].
وأفتى شيخ الإسلام ابن تيمية فيمن رأى الهلال بنفسه ثم لم يأخذ القاضي برؤيته؛ فسُئل: ماذا عليه أن يفعل؟ أيصوم على رؤيته اليقينية في حقه أم يصوم مع الجماعة؟ فرجَّحَ رحمه الله تعالى أن يصوم مع الجماعة ولو خالف اليقيني عنده لحديث: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ»[10]، وقال في موضع آخر: إن من صام برؤية مكان، ثم سافر إلى مكان تقدمت رؤيتهم؛ فإنه يفطر معهم، ولا يقضي اليوم الأول[11].
ويدل على وجوب متابعة الإمام والجماعة[12] في هذا ما جاء في قصة عثمان وابن مسعود رضي الله عنهما حيث «صلى عثمان رضي الله عنه بمنى أربعًا، فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه منكرًا عليه: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، ومع أبي بكر رضي الله عنه ركعتين، ومع عمر رضي الله عنه ركعتين، ومع عثمان رضي الله عنه صدرًا من إمارته ثم أتمها؛ ثم تفرقت بكم الطرق؛ فلوددت أن لي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين». ثم إن ابن مسعود رضي الله عنه صلى أربعًا! فقيل له: «عبتَ على عثمان ثم صليتَ أربعًا؟!»، قال: «الخلافُ شرٌ»[13].
فقد يكون الشيء مشروعًا، ويجوز تركه لما يمكن أن تترتب عليه من مفاسد، أو سوء فهم عند عوام الناس؛ ومن ذلك ما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ؛ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ؛ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا؛ فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ»[14].
إن الخلاف المذموم الذي يحدث في المواسم الدينية التي توحد الناس في أصل تشريعها؛ يؤدي إلى طعن بعضهم في دين البعض الآخر، وإبطال عبادة الآخر؛ وهذا الأمر لا يمت للعلم بصلة، بل هو طاعن في علم صاحبه؛ خاصة إذا أظهره وجاهر به؛ سواءٌ كان فعلًا أو دعوة.
وأسوأ من ذلك من يطعن في صحة صيام أو حج عوام الناس الذين يتبعون الإمام أو عظم الناس، «فالخطأ موضوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا فلم يروا الهلال إلاّ بعد الثلاثين؛ فلم يفطروا حتى استوفوا العدد؛ ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين؛ فإن صومَهم وفطرَهم ماضٍ، فلا شيء عليهم من وزرٍ أو عَتَبٍ، وكذلك هذا في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة؛ فإنه ليس عليهم إعادته، ويجزيهم أضحاهم كذلك؛ وإنما هذا تخفيف من الله سبحانه ورفق بعباده؛ ولو كلفوا إذا أخطؤوا العدد أن يعيدوا أن يأمنوا أن يخطئوا ثانيًا، وأن لا يسلموا من الخطأ ثالثًا ورابعًا؛ فإن ما كان سبيله الاجتهاد كان الخطأ غير مأمون فيه»[15].
ومع ذلك ليست هذه دعوة للتساهل في أمر العبادات؛ فالحدود الزمنية التي وضعها الشارع علامات للعبادة؛ مثل أهلة رمضان وشوال وذي الحجة، ومواقيت العبادات الأخرى، لا يجوز لأحد أن يتساهل فيها، ولكن الشارع أراد أن يجتمع الناس في هذه العبادة؛ فلا يتفرقوا ولا يتدابروا بما يتعارض مع طبيعة العبادة أو المناسبة.
والشارع الذي حدد أوقات العبادات هو نفسه الذي أمر بالصيام مع الجماعة، والإفطار معها، والحج، والوقوف بعرفة في يوم واحد؛ ليجمع الناس ولا يفرقهم.
وأختم بشيء آخر أرجو أن يتقبله مني إخواني – وقد أكون مخطئًا في فهمه أو تقديره: الذي يدعو الناس إلى الوحدة في أمر الصيام وأن يتبعوا قوله أو قول مسجده أو مركزه أو مؤسسته ينبغي أن يكون قدوة، وأن يلتزم بهذا المنهج ولو خالف رأيَه واجتهادَه.
والمسألة ليست خاصة بنا هنا في الغرب؛ بل هي مشكلة فكر ومنهج لا يصحح إلا رأيه، ولا يتقبل المخالف له، فقد رأينا سابقًا شبابًا حملتهم الحمية على أن يسيروا خلف دولة أخرى غير التي يقيمون فيها في الصيام والإفطار، ويُظهرون هذا لعوام الناس، مما تسبب في فتنة، وكان هذا يحدث أحيانًا في نهاية الشهر؛ حيث يكون الناس صائمين، بينما يجهر أحدهم بفطره وتكبيره؛ بل قد يقيم صلاة العيد.
لقد شهدنا في الغرب مسجدًا يصوم أهله، وآخر في المدينة ذاتها يُفطر أهله، ووصل الخلاف إلى المسجد الواحد؛ بل إلى البيت الواحد.
وأمر تحديد بداية الشهر أو نهايته في الغرب لا يعود لآحاد المسلمين، ولا لآحاد المساجد والمؤسسات.
تبقى حجة عند المخالف وهي أن هذا الكلام كله محمول على الخلاف بين القولين المشهورين وهما: الأول اعتبار أن لكل بلد رؤيته، والثاني أنه لا عبرة باختلاف المطالع، وهما قولان مشهوران في كتب الفقه، فلا مدخل للحساب الفلكي – الذي يعمل به في كثير من المساجد والمراكز في هذه المسألة.
وأقول ردًا على هذا: إن القول بحصر الكلام السابق في هذين القولين فقط غير صحيح؛ فقد أوردنا آنفًا قولًا في ترجيح متابعة الجماعة حتى لو كان الشخص هو من رأى الهلال بنفسه، أي في حال عدم رؤية الهلال ببلده؛ بل هو من رآه وتيقن دخول الشهر لكن لم تؤخذ شهادته، وهي درجة أدنى من الحساب الفلكي.
وقد ذهب إلى القول بالحساب الفلكي عددٌ من العلماء السابقين، وكثيرٌ من المعاصرين، وقوَّى هذا القولَ لديهم دقةُ الحساب الفلكي، وتميزُه عما اختلط به سابقًا من التنجيم المبني على خرْصٍ وتقديرٍ وليس على علمٍ ومشاهدةٍ.
——————————————————-
[1]سنن الترمذي – كتاب الصوم – باب ما جاء الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون – ح (697)، وقال حسن غريب، وسنن الدارقطني – كتاب الصيام – ح (35).
[2]سنن أبي داود – أول كتاب الصوم – باب إذا أخطأ القوم الهلالَ – ح (2324)، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح بطرقه.
[3] سنن الترمذي – كتاب الصوم – باب ما جاء في الفطر والأضحى متى يكون – ح 802، وسنن الدارقطني – كتاب الحج – ح 2474.
[12]رَوىَ أن رجلين في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأيا هلال شوال؛ فأفطر أحدهما، ولم يفطر الآخر؛ فلما بلغ ذلك عمر رضي الله عنه قال للذي أفطر: «لولا صَاحِبُكَ لأَوجَعْتُك ضَربًا»، وقد أورده ابن تيمية في مجموع الفتاوى – 25/205.
[13]سنن أبي داود – كتاب المناسك – باب الصلاة بمنى – ح 1960، وتهذيب الآثار – الطبري – ح 485 – 1/339، وسنن البيهقي – باب من ترك القصر في السفر غير رغبة عن السنة – ح 5219، ومسند أبي حنيفة – حرف الحاء – محمد بن خازم السعدي أبو معاوية الضرير الكوفي عن أبي حنيفة، عن حماد – ح 344، ومصنف عبد الرزاق – كتاب الصلاة – باب الصلاة في السفر – ح 4269، ومصنف ابن أبي شيبة – ح 14174.
[14] صحيح البخاري – كتاب الحج – باب فضل مكة وبنيانها – ح 1509، وصحيح مسلم – كتاب الحج – 69 – باب نقض الكعبة وبنائها – ح 1333.