فتح المطاعم في بلاد الغرب في نهار رمضان وتقديم الطعام للمفطرين

يَطرح بعضُ أصحاب المطاعم المسلمين في الغرب سؤالًا عن حكم فتحهم لمطاعمهم في نهار رمضان، فهل يُعد هذا من باب الإعانة على المعصية بتقديم الطعام للمفطرين؟

وللإجابة على هذا السؤال أقول بداية: إنَّ الأوضاع التي يعيشها المسلمون في هذا العصر تختلف في توصيفها عما كان عليه الحال فيما سبق، فضلًا عن الأوضاع الخاصة بالمقيمين في الغرب من الجوانب الاقتصادية أو القانونية أو غيرها.

أما المسألة فقد تحدث فيها الفقهاء قديمًا، غير أنهم تحدثوا عن حالة كانت في عصرهم، وهي الصورة الوحيدة عندهم لهذه المسألة؛ وأعني بها: حكمُ تقديمِ أصحابِ بيتٍ الطعامَ لضيف، أو جارٍ غير مسلم في نهار رمضان.

واختلف الفقهاء فيها، استنادًا إلى مسألة أخرى، وهي تكليف الكفار بفروع الشريعة، فمنهم من قاله بتكليفهم، ومنهم من ذهب إلى المنع.

         ولكن يجب الإشارة إلى أن المسألة لها أكثر من بُعدٍ في عصرنا الحاضر وخاصة للمقيمين بالغرب، ومنها:

  • الأوضاع العائلية: الزوجة غير المسلمة، والأقارب غير المسلمين.

  • العمل: أصحاب المطاعم، والعاملون بالمطاعم أو الفنادق.

  • كثرة المسافرين، وأصحابِ الأعذار.

  • أن غالب أهل البلد من غير المسلمين.

فلو قلنا بالمنع مطلقًا دون تفصيل، فستترتب آثار لم تكن سابقًا، ومنها مثلًا: ما يجب على أصحاب الأعمال من دفع إيجار المكان، ورواتب العمال، مع فقدان الدخل في هذه الأوقات.

  ولا شك أن لهذه التطورات في حياة الناس التي أوردنا طرفًا منها آنفًا أثرٌ في الحكم الشرعي؛ فقد صار كثير من الناس يشترون طعامهم من المطاعم أو يأكلون فيها؛ وهؤلاء منهم المسافرُ المفطر، والمرأةُ الحائض أو النفساء، والمريضُ، فضلًا عمن لم يجب عليه الصيام ابتداءً مثل الكافر، والطفل، وغير المكلف.

  لهذا كله أقول: يجوز لصاحب المطعم أن يفتح مطعمه في نهار رمضان، وأن يقدم لزواره الطعام، ويجوز للزوج أن يقدم الطعام لزوجته غير المسلمة، أو الحائض، أو النفساء، ويجوز تقديم الطعام للمسافر، والمريض، والصغير، وغير المكلف.

  ويدل على هذا الرأي أمور منها:

  • الأصل هو الجواز؛ فلا حرج من تقديم الطعام والشراب لغير المسلم، وقد وقع هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مناسبات وظروف مختلفة، ومنها ما كان يفعله مع الأسرى، واستثناءُ حالة من الجواز، والنقلُ عنها إلى المنع يفتقر إلى دليلٍ، ولا دليل.

  • ليس هذا من باب الإعانة على المعصية خاصة فيما يتعلق بالكافر، إذ أنه غير مخاطب بفروع الشريعة دنيويًا؛ وإن كان محاسبًا عليها مع كفره أخرويًا، يقول سبحانه وتعالى: «مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ»[1]، والعبادةُ لا تصح منهم، ولا تقبل ممن أداها؛ على قول من قال إنهم مخاطبون بفروع الشريعة.

  • أباح الإسلام الزواج بالكتابية، ومن لوازم المعاشرة بينهما أنها تحتاج إلى الطعام والشراب، والنفقةُ واجبةٌ لها على الزوج، ولو كان تقديم الطعام لها أو إعانتها عليه في نهار رمضان ممنوعًا لنقل عن السلف الصالح، ولم يُنقل مثلُ هذا، بل ظاهرُ الأمرِ أنهم كانوا يفعلون ذلك.

  • ويسري الأمر ذاته على الخدم ومن في حكمهم، ونفقتُهم على السيد أيضًا.

  • أن من حق الزوجة غير المسلمة ممارسة شعائر دينها، وليس من دينها الصيام في رمضان، ولا يصح إلزامها بتشريعات دين آخر.

  • قد يكون عددٌ من المسلمين الذين يرتادون مثل هذه المطاعم في رمضان من أصحاب الأعذار؛ مثل الحائض، والمريض، والمسافر.

  • أنَّ عدمَ فتحِ أصحابِ المطاعمِ مطاعمَهم يلحقُ بهم ضررٌ بالغٌ لتحملهم نفقات تشغيل المحل، ورواتب العاملين به، والضررُ يزال ما لم يوجد نص شرعي يخالف.

ومما يصلح للاستدلال به ما يأتي:

  • عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنه «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ؟» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لا خَلاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ»، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهَا حُلَلٌ؛ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مِنْهَا حُلَّةً، فَقَالَ عُمَرُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ (اسم البائع) مَا قُلْتَ» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا»؛ فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا»[2] وفي رواية : «تَبِيعُهَا، أَوْ تُصِيبُ بِهَا حَاجَتَكَ»[3]، وفي رواية «فَقَالَ عُمَرُ: «كَيْفَ أَلْبَسُهَا وَقَدْ قُلْتَ فِيهَا مَا قُلْتَ؟» قَالَ «إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا؛ تَبِيعُهَا، أَوْ تَكْسُوهَا» فَأَرْسَلَ بِهَا عُمَرُ إِلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ»[4]. وفي الحديث دليل لمن رأى أن الكفار غير مخاطبين بالفروع[5]، ومنهم من أخذ منه جواز بيع الحرير لغير المسلم[6].

  • إدخال رسول الله صلى الله عليه وسلم الكفار إلى المسجد من غير أن يطلب منهم الوضوء أو الغسل.

  • الأمر بصلة أقارب المسلم غير المسلمين، ومنها ضيافتهم وإكرامهم، ومن ذلك ما جاء عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَتْ: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: «وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُ أُمِّي؟» قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ»[7].

  • أفتى بعضُ العلماء منَ هو ببلاد المسلمين بجواز إعطاء الكافر أكلًا أو شربًا ليتناوله في نهار رمضان؛ وأجازوا لرئيسه الإذن له بالخروج من مقر العمل لهذا الغرض[8]، وأجازوا البيع لهم غير لحم الخنزير أو الخمر[9]، وأنه يجوز العمل في الفندق وهو ما يعني أن يقدم الطعام في نهار رمضان لغير الصائمين؛ لأن الفنادق تكون عادة ممرًا للمسافرين المرخص لهم بالفطر أو غيرهم من أصحاب الأعذار من النساء والأطفال أو غير المسلمين على اعتبار أنهم ليسوا مخاطبين بالصيام حتى يدخلوا في الإسلام.

—————————————————————————–

[1] سورة المدثر: 42:46.

[2] صحيح البخاري كتاب الجمعة باب يلبس أحسن ما يجد ح 846، وصحيح مسلم كتاب اللباس والزينة باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع ح 2068.

[3] صحيح البخاري كتاب العيدين باب في العيدين والتجمل فيهما ح 906.

[4] صحيح البخاري كتاب الهبة وفضلها باب الهدية للمشركين ح 2476.

[5] انظر: بذل المجهود في حل سنن أبي داود السهارنفوري 5/84.

[6] مجموع الفتاوى ابن تيمية 29/299.

[7] صحيح البخاري كتاب الهدية والصلة باب الهبة وفضلها ح 2477، وصحيح مسلم كتاب الزكاة باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين ح 1003.

[8] انظر فتوى الشيخ سليمان الماجد بموقعه الرسمي تحت عنوان: يجوز تقديم الطعام لغير المسلم في نهار رمضان.

[9] انظر فتوى الشيخ خالد المشيقح بموقع طريق الإسلام تحت عنوان: حكم بيع الوجبات الساخنة في نهار رمضان.

مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed