عن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ شَهْرَا عِيدٍ رَمَضَانُ وَذُو الْحَجَّةِ))[1].
هذا حديثٌ عظيمُ الدلالةِ، جليلُ المعنى، يُثَبِّتُ في القلوبِ اليقينَ بعدلِ اللهِ وكمالِ أجرِه، ويربطُ العباداتِ بمقاصدِها لا بصورِها، وبحقائقِها لا بأعدادِها.
يعد هذا الحديث من الأحاديث النبوية التي تسلط الضوء على مكانة شهري رمضان وذي الحجة. ويتناول هذا الحديث أهمية العبادات في هذين الشهرين، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يُكرم عباده فيهما بالأجر والثواب، بغض النظر عن مشقة الصيام أو عدد الأيام.
فهو يثبت الأجر كاملًا بغض النظر عن عدد الأيام أو ساعات الصيام. فحتى لو واجه المسلم مشقة أو تعبًا، وكذا لو جاء رمضان في الشتاء حيث يقصر النهار، وتنخفض درجة الحرارة.
وقد يَتوهّمُ بعضُ الناسِ أنّ قِصَرَ الشهرِ أو قِصَرَ ساعاتِ الصيامِ في بعضِ البلدانِ يُنقِصُ الأجر، وهذا وَهْمٌ؛ لأنّ الأجرَ مبنيٌّ على الامتثالِ والإخلاصِ، لا على طولِ الزمنِ.
فالمكلَّفُ إذا صامَ الشهرَ كما شُرِعَ له — تسعةً وعشرينَ كان أو ثلاثين — فقد أتى بالعبادةِ كاملةً، ونالَ ثوابَها كاملًا؛ إذ إنّ اللهَ لا يُحاسِبُ عبادَه بما خرجَ عن إرادتِهم من اختلافِ الأهِلَّةِ أو تعاقُبِ الفصول.
وكذلك اختلافُ ساعاتِ الصيامِ بين بلدٍ وآخرَ لا يؤثّرُ في أصلِ الأجر؛ فاللهُ كلَّفَ كلَّ إنسانٍ بحسبِ أفقِه وزمانِه، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فمن صامَ في نهارٍ قصيرٍ أدّى ما أُمِرَ به كاملًا، ومن صامَ في نهارٍ طويلٍ نالَ فضلَ المشقّةِ الزائدةِ إن احتسبَها.
فنية الصيام تُعد عبادة قائمة بحد ذاتها، حيث يُكتب الأجر بمجرد أن ينوي المسلم الصيام. فالأجر لا يحصر فقط في عدد الساعات التي صامها الشخص، بل يشمل أيضًا الجهد والنية.
أما الفهم من الحديث أنهما لا ينقصان جميعًا عددًا في سنة من السنين، فهو فهم بعيد وتفسير ضعيف للحديث، فليس المرادُ أنّ شهرَي رمضانَ وذِي الحِجَّةِ لا يكونانِ تسعةً وعشرينَ يومًا، فقد يَكُونُ أحدُهما كذلك، وقد يكونا معًا، ولكنّ المقصودَ أنّهما لا يَنقُصانِ أجرًا وثوابًا؛ فهما شهرا عيدٍ، يتعلّقُ بهما أعظمُ شعائرِ الإسلامِ: الصيامُ في رمضان، والحجُّ في ذي الحِجَّة.
فلو جاءَ رمضانُ تسعةً وعشرينَ يومًا، فثوابُه كاملٌ غيرُ منقوص، وكذلك ذُو الحِجَّةِ؛ لأنّ الفضلَ مرتبطٌ بتشريعِ اللهِ لا بعددِ الأيّام.
—————————-
[1] صحيح البخاري – كتاب الصوم – بَاب شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ – ح (1779)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب بيان معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم شهرا عيد لا ينقصان – ح (1089).
