التوبة في حقيقتها دليلُ حياةٍ في القلب، وبرهانُ يقظةٍ في الضمير؛ فهي تعبّر عن إدراك المسلم لمعاني الصواب والخطأ، وتمييزه بين الحسن والقبيح.
فالمؤمن لا يتوب من صلاةٍ أداها، ولا من صيامٍ أقامه، ولا من خُلُقٍ مستقيمٍ تحلّى به، لأنّه يعلم أنّ ذلك كلّه ممّا يُرضي الله ويُثاب عليه.
وإنّما تكون التوبة من تفريطٍ في صلاة، أو وقوعٍ في محرّم، أو انزلاقٍ إلى سوء خُلُق، أو فسادٍ في النيّة والقلب.
وقد تكون بعض الذنوب ظاهرةً بيّنة، يدركها الناس ويتنبهون لها، لكنّ أخطرها ما خفي منها، وتستّر بأغلفة الشهوة أو الشبهة، أو تزيّن بزخارف الخداع والتأويل.
وهنا تبرز الحاجة إلى العلم والبصيرة؛ لأنّ نور المعرفة هو الذي يكشف مواطن الزلل، ويعين العبد على تصحيح المسار.
والتوبة كذلك إعلانٌ صريح بأنّ مصدر الأمر والنهي هو الله تعالى وحده؛ فهو المرجع في الحلال والحرام، والميزان في الحقّ والباطل. فإذا قصّر العبد أو أذنب، لم يهرب من ربّه، بل فرّ إليه، مستغفرًا منيبًا، يعلم أنّه لا ملجأ من الله إلّا إليه. وهذه منزلةٌ رفيعة من منازل الإيمان، يظهر فيها صدق العبوديّة وكمال الافتقار.
كما أنّ التوبة تؤكّد أنّ الأصل في حياة المسلم هو الاستقامة لا الانحراف، والصواب لا الخطأ، والطهارة لا الدنس. فالزّلّات عوارض طارئة، لا تمثّل حقيقة الإنسان المؤمن، بل تبقى استثناءً يُعالج بالتوبة والرجوع.
وإذا تحقّقت التوبة في الأفراد، كانت من أعظم أسباب الصلاح في المجتمعات. تخيّلوا مجتمعًا يُقابَل فيه كلّ ذنبٍ بندمٍ صادق، وكلّ خطأٍ بتصحيحٍ عاجل، وكلّ انحرافٍ بعودةٍ إلى الجادّة؛ كيف سيكون حاله؟ وكيف ستغدو أسرُه وأفراده؟ لا شكّ أنّ الخير سيشيع، وأنّ الشرّ سيتقلّص، وأنّ الطمأنينة ستسري في النفوس.
وفي هذا كلّه يتجلّى معنى رمضان، شهر المراجعة والتزكية، حيث يُربّي الصيامُ في الإنسان مراقبةَ الله، ويهذّب إرادته، ويذكّره بضعفه وحاجته إلى مولاه. فالصائم حين يمتنع عن المباحات طاعةً لله، يكون أقدر على اجتناب المحرّمات، وأسرع إلى التوبة إذا زلّ.
وهكذا يصبح رمضان مدرسةً عمليّة لإحياء روح التوبة، وترسيخ أثرها في الفرد والمجتمع، حتّى تمتدّ بركاتها إلى ما بعد الشهر، فتظلّ حياة المسلم مسيرةَ رجوعٍ دائمٍ إلى الله، وسعيٍ مستمرٍّ نحو الصلاح.
وما يدعو الناس إلى التوبة في رمضان ما جعله الله في هذا الشهر من فتح أبواب الجنان، وما وعد به سبحانه وتعالى من قبول الدعاء (والتوبة نوع منه)، وما هيأه عز وجل في الأوقات الفاضلة كليلة القدر والشعر الأخير وآخر رمضان.
يقول تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّـهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[1].
ويقول عز وجل: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّـهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّـهِ فَأُولَـئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّـهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)[2].
ويقول تبارك وتعالى:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّـهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّـهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[3].
فاجعلوا رمضان شهرًا للتوبة والعودة إلى الله تعالى.
———————-
[1] سورة آل عمران:135.
[2] سورة النساء:146.
[3] سورة التحريم:8.
