التطوع بالصوم ممن عليه صوم فرض
اختلفت الرواية عن أحمد في جواز التطوع بالصوم، ممن عليه صوم فرض، فنقل عنه حنبل أنه قال: لا يجوز له أن يتطوع بالصوم، وعليه صوم من الفرض حتى يقضيه، يبدأ بالفرض، وإن كان عليه نذر صامه يعني بعد الفرض.
وروى حنبل، عن أحمد بإسناده عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَن أَدْرَكَ رمضانَ، وعليه من رمضانَ شيءٌ لم يَقْضِهِ، لم يُتَقَبَّلْ منه، ومَن صام تَطَوُّعًا وعليه من رمضانَ شيءٌ لم يَقْضِهِ، فإنه لا يُتَقَبَّلُ منه حتى يصومَه»[1].
ولأنه عبادة يدخل في جبرانها المال، فلم يصح التطوع بها قبل أداء فرضها، كالحج.
وروي عن أحمد، أنه يجوز له التطوع؛ لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقتها قبل فعلها، كالصلاة يتطوع في أول وقتها، وعليه يخرج الحج.
كراهة القضاء في عشر ذي الحجة
اختلفت الرواية في كراهة القضاء في عشر ذي الحجة، فروي أنه لا يكره. وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي، وإسحاق؛ لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يستحب قضاء رمضان في العشر. ولأنه أيام عبادة، فلم يكره القضاء فيه، كعشر المحرم.
والثانية: يكره القضاء فيه. روي ذلك عن الحسن، والزهري؛ لأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه كرهه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِن أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيها أحبُّ إلى اللَّهِ من هذِهِ الأيَّام يعني أيَّامَ العشرِ، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ؟ قالَ: ولا الجِهادُ في سبيلِ اللَّهِ، إلَّا رَجلٌ خرجَ بنفسِهِ ومالِهِ، فلم يرجِعْ من ذلِكَ بشيءٍ»[2].
فاستحب إخلاؤها للتطوع، لينال فضيلتها. ويجعل القضاء في غيرها.
وقال بعض أصحابنا: هاتان الروايتان مبنيتان على الروايتين في إباحة التطوع قبل صوم الفرض وتحريمه، فمن أباحه كره القضاء فيها، ليوفرها على التطوع، لينال فضله فيها مع فعل القضاء، ومن حرمه لم يكرهه فيها، بل استحب فعله فيها، لئلا يخلو من العبادة بالكلية.
ويقوى عندي أن هاتين الروايتين فرع على إباحة التطوع قبل الفرض، أما على رواية التحريم، فيكون صومها تطوعا قبل الفرض محرما، وذلك أبلغ من الكراهة. والله أعلم.
حكم المريض: أجمع أهل العلم على إباحة الفطر للمريض في الجملة. والأصل فيه قوله تعالى: «فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»[3].
والمرض المبيح للفطر: هو الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه.
قيل لأحمد: متى يفطر المريض؟ قال: إذا لم يستطع.
قيل: مثل الحمى؟ قال: وأي مرض أشد من الحمى.
وحكي عن بعض السلف أنه أباح الفطر بكل مرض، حتى من وجع الإصبع والضرس؛ لعموم الآية فيه، ولأن المسافر يباح له الفطر وإن لم يحتج إليه، فكذلك المريض.
وحجتنا أنه شاهد للشهر، لا يؤذيه الصوم، فلزمه، كالصحيح، والآية مخصوصة في المسافر والمريض جميعًا، بدليل أن المسافر لا يباح له الفطر في السفر القصير.
والفرق بين المسافر والمريض، أن السفر اعتبرت فيه المظنة، وهو السفر الطويل، حيث لم يمكن اعتبار الحكمة بنفسها، فإن قليل المشقة لا يبيح، وكثيرها لا ضابط له في نفسه، فاعتبرت بمظنتها، وهو السفر الطويل، فدار الحكم مع المظنة وجودا وعدمًا.
والمرض لا ضابط له؛ فإن الأمراض تختلف، منها ما يضر صاحبه الصوم ومنها ما لا أثر للصوم فيه، كوجع الضرس، وجرح في الإصبع، والدمل، والقرحة اليسيرة، والجرب، وأشباه ذلك، فلم يصلح المرض ضابطًا، وأمكن اعتبار الحكمة، وهو ما يخاف منه الضرر، فوجب اعتباره.
مسألة: إن تحمل المريض وصام مع هذا، فقد فعل مكروهًا؛ لما يتضمنه من الإضرار بنفسه، وتركه تخفيف الله تعالى، وقبول رخصته، ويصح صومه ويجزئه؛ لأنه عزيمة أبيح تركها رخصة، فإذا تحمله أجزأه، كالمريض الذي يباح له ترك الجمعة إذا حضرها، والذي يباح له ترك القيام في الصلاة إذا قام فيها.
حكم الصحيح الذي يخشى المرض بالصيام، كالمريض الذي يخاف زيادته في إباحة الفطر؛ لأن المريض إنما أبيح له الفطر خوفًا مما يتجدد بصيامه، من زيادة المرض وتطاوله، فالخوف من تجدد المرض في معناه.
قال أحمد في من به شهوة غالبة للجماع، يخاف أن تنشق أنثياه، فله الفطر.
وقال في الجارية: تصوم إذا حاضت، فإن جهدها الصوم فلتفطر، ولتقض. يعني إذا حاضت وهي صغيرة لم تبلغ خمس عشرة سنة.
مسألة: من أبيح له الفطر لشدة شبقه، إن أمكنه استدفاع الشهوة بغير جماع، كالاستمناء بيده، أو بيد امرأته أو جاريته، لم يجز له الجماع؛ لأنه فطر للضرورة، فلم تبح له الزيادة على ما تندفع به الضرورة، كأكل الميتة عند الضرورة. وإن جامع فعليه الكفارة.
وكذلك إن أمكنه دفعها بما لا يفسد صوم غيره لم يبح له.
إفساد صوم غيره؛ لأن الضرورة إذا اندفعت لم يبح له ما وراءها، كالشبع من الميتة إذا اندفعت الضرورة بسد الرمق.
وإن لم تندفع الضرورة إلا بإفساد صوم غيره، أبيح ذلك؛ لأنه مما تدعو الضرورة إليه، فأبيح كفطره، وكالحامل والمرضع يفطران خوفًا على ولديهما.
حكم المسافر: يباح للمسافر الفطر، فإن صام كره له ذلك، وأجزأه.
وجواز الفطر للمسافر ثابت بالنص والإجماع، وأكثر أهل العلم على أنه إن صام أجزأه.
ودليلنا ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن حمزة بن عمرو رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ؛ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»[4] .
وذكر أنس رضي الله عنه: «أنَّ أَصْحَابَ رَسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانُوا يُسَافِرُونَ، فلا يَعِيبُ الصَّائِمُ علَى المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ علَى الصَّائِمِ»[5].
وكذلك روى أبو سعيد وأحاديثهم محمولة على تفضيل الفطر على الصيام.
هل الصيام أفضل أم الفطر؟ الأفضل عند إمامنا، رحمه الله، الفطر في السفر، وهو مذهب ابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والأوزاعي، وإسحاق.
وحجتنا ما تقدم من الأخبار في الفصل الذي قبله، ولأن في الفطر خروجًا من الخلاف، فكان أفضل، كالقصر.
وقياسهم ينتقض بالمريض وبصوم الأيام المكروه صومها.
هل يقضى رمضان متتابعًا؟
قضاء شهر رمضان متفرقًا يجزئ، والمتتابع أحسن، وهذا قول ابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وابن محيريز، وأبي قلابة، ومجاهد، وأهل المدينة، والحسن، وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وإسحاق.
وحجتنا إطلاق قول الله تعالى: «فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»[6]، غير مقيد بالتتابع.
وما جاء عن الصحابة: قال ابن عمر: إن سافر؛ فإن شاء فرق، وإن شاء تابع، وروي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو عبيدة بن الجراح، في قضاء رمضان: إن الله لم يرخص لكم في فطره، وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه.
وعن محمد بن المنكدر، أنه قال: «بلغَني أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سُئلَ عن تقطيعِ قضاءِ رمضانَ؛ فقالَ: «ذاكَ إليكَ؛ أرأيتَ لو كانَ على أحدٍ دَينٌ فقضَى الدِّرهمَ والدِّرهمَينِ ألم يَكنْ قضَى؟ فاللَّهُ أحقَّ أن يعفوَ ويغفرَ»[7].
ولأنه صوم لا يتعلق بزمان بعينه؛ فلم يجب فيه التتابع، كالنذر المطلق.
مسألة: من دخل في صيام تطوع استحب له إتمامه، ولم يجب، فإن خرج منه، فلا قضاء عليه، روي عن ابن عمر، وابن عباس أنهما أصبحا صائمين، ثم أفطرا، وقال ابن عمر: لا بأس به، ما لم يكن نذرًا أو قضاء رمضان.
وقال ابن عباس: إذا صام الرجل تطوعًا، ثم شاء أن يقطعه قطعه، وإذا دخل في صلاة تطوعًا، ثم شاء أن يقطعها قطعها.
وقال ابن مسعود: متى أصبحت تريد الصوم، فأنت على آخر النظرين، إن شئت صمت، وإن شئت أفطرت.
هذا مذهب أحمد، والثوري، والشافعي، وإسحاق.
ودليلنا حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «قالَ لي رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَومٍ: «يا عَائِشَةُ، هلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟» قالَتْ: فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، ما عِنْدَنَا شيءٌ، قالَ: «فإنِّي صَائِمٌ»، قالَتْ: فَخَرَجَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ -أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ- قالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أُهْدِيَتْ لَنَا هَدِيَّةٌ -أَوْ جَاءَنَا زَوْرٌ- وَقَدْ خَبَأْتُ لكَ شيئًا، قالَ: «ما هُوَ؟» قُلتُ: حَيْس، قالَ: «هَاتِيهِ»، فَجِئْتُ به فأكَلَ، ثُمَّ قالَ: «قدْ كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»[8]. ثم قال لنا: «إِنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ، فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا»[9]، هذا لفظ رواية النسائي، وهو أتم من غيره.
وعن أم هانئ قالت: «إنَّ نبيَّ اللهِ أُتِي بشرابٍ فشرابٍ يومَ فتحِ مكَّةَ فشرِب؛ ثمَّ ناولني؛ فشرِبتُ، وكنتُ صائمةً، وكرِهتُ أن أرُدُّ فضلَ سُؤرِه فقلتُ: بأبي أنت إنِّي كنتُ صائمةً. قال لها: «أكنتِ قضيتِ شيئًا؟» قالت: لا. قال: «فلا يضُرُّك»[10].
وفي لفظ قالت: «إِنِّي صَائِمَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، فَإِنْ شِئْتِ فَصُومِي، وَإِنْ شِئْتِ فَأَفْطِرِي»[11]، ولأن كل صوم لو أتمه كان تطوعًا إذا خرج منه لم يجب قضاؤه، كما لو اعتقد أنه من رمضان فبان من شعبان أو من شوال.
فيستحب للمتطوع إتمام صومه، وإن خرج منه استحب قضاؤه؛ للخروج من الخلاف.
مسألة: من دخل في واجب، كقضاء رمضان، أو نذر معين أو مطلق، أو صيام كفارة؛ لم يجز له الخروج منه؛ لأن المتعين وجب عليه الدخول فيه، وغير المتعين تعين بدخوله فيه، فصار بمنزلة الفرض المتعين، وليس في هذا خلاف بحمد الله.
كل الأجزاء
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (1)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (2)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (3)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (4)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (5)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (6)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (7)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (8)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (9)
أحكام الصيام على المذهب الحنبلي – مختصر المغني (10)
لتنزيل الكتاب كاملًا: الرجاء اضغط هنا
—————————————————————————————————————————
