(1) ذهب الحنفية والشافعية[1] والحنابلة[2] في القول الراجح إلى أن: مصرفها مصرف زكاة المال الوارد في قوله تعالى: )إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ( التوبة:60.
(2) وذهب المالكية[3] إلى أن: زكاة الفطر خاصة بالفقراء والمساكين، واستدلوا بحديث: «فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين»[4].
وترد تحت هذا التحديد مسائل تخص الأقليات المسلمة في الغرب، ومنها:
أولًا: غير المسلم
ذهب الجمهور[5] إلى أنها لا تجوز لغير المسلم لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن، وفيه: «فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»[6]، فدل هذا على أنها تؤخذ من قوم فترد عليهم، وغير المسلم لا تجب عليه الزكاة، ولأن من لا يجوز دفع زكاة المال إليه لا يجوز دفع زكاة الفطر إليه كالأغنياء وذوي القربى.
وقال أبو حنيفة: بجواز إخراجها لغير المسلم في المجتمع المسلم[7]، ودليله أن سببها الفقر فقط[8]، ولعموم قوله تعالى: )إنما الصدقات للفقراء والمساكين[9]( وقوله صلى الله عليه وسلم: «في كل ذات كبد أجر»[10] ولما جاء في رواية سعيد بن جبير: رضي الله عنه«أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أهل الذمة من الصدقات»[11]
ورد الجمهور على استدلال الأحناف بأن عموم الآية والخبر مخصوص بالنصوص الأخرى ومنها خبر: «تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم»
وأما حديث سعيد بن جبير فهو مرسل لا يلزم العمل به وإن صح فهو محمول على صدقة التطوع.[12]
وقول الأحناف في التفريق بين زكاة الفطر وزكاة المال لا وجه له، وهو تفريق يفتقر إلى دليل ولا دليل.
ولو صح العموم في قوله تعالى: )إنما الصدقات للفقراء والمساكين(التوبة: 60 لجاز صرفها لفقراء أهل الكتاب ولم يقل الأحناف بهذا.
بقيت نقطة يجب بيانها في هذا المقام: وهي أنه لا علاقة بمسألة حكم إعطاء غير المسلم من زكاة الفطر ونظرة الإسلام لهم أو علاقة المسلمين بهم.
والزكاة عبادة حدد الله تعالى مصارفها ولو أراد أحد القول برأي الأحناف ـ على ضعفه وخطأ تنزيله على واقعنا في أوروبا ـ في زكاة الفطر لإعطاء غير المسلم صورة إيجابية عن المسلمين فماذا هو قائل في زكاة المال؟! وإجماع العلماء على عدم الجواز.
وخير من هذا أن نقول: إن الزكاة وإن كثرت فهو محدودة، وهي عبادة من العبادات تؤخذ من المسلمين وترد عليهم، وقد ثبت جواز إعطائهم من غير الزكاة، ومن ذلك:
(1) إعطاء غير المسلم من بيت المال، وثبت هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ «مر بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك ثم ضيعناك في كبرك. ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه»[13]
وجاء في كتاب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى عدي بن أرطاة: «…..ثم انظر من قبلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه»[14] والإعطاء من بيت المال أفضل من الإعطاء من الزكاة، لأنه يعني إعطاء غير المسلم ما يكفيه بلا ربط بمناسبة أو وقت.
(2) إعطاء غير المسلم من الصدقة، والدليل على هذا ما يأتي:
أ- عموم قوله تعالى: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين(الممتحنة: 8
ب- عموم قول رسول الله: صلى الله عليه وسلم«في كل ذات كبد رطبة أجر»[15]
ت- عموم النصوص التي جاءت في الإحسان إلى الجار.
ث- حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدتهم مع أبيها فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: «نعم صليها»[16]
أ- عن عائشة رضي الله عنها: «أن امرأة يهودية سألتها فأعطتها، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فأنكرت عائشة ذلك، فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلمقالت له، فقال: «لا»، قالت عائشة: ثم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «إنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم»[17]
ب- ثبت عن عدد من السلف القول بجواز الصدقة بل والدعوة إليها، ومن ذلك:
ما جاء عن إبراهيم بن مهاجر قال: سألت إبراهيم عن الصدقة على غير أهل الإسلام؟ فقال: «أما الزكاة فلا، وأما إن شاء رجل أن يتصدق فلا بأس»، وعن إبراهيم بن المهاجر عن إبراهيم قال: «لا تعطهم من الزكاة، وأعطهم من التطوع»، وعن جابر بن زيد قال: «لا بأس أن تتصدق عليهم»[18]
ثانيًا: الأب والأم والإخوة
أما الأب والأم فلا يجوز إعطاءهم من أموال الزكاة سواء كانت زكاة فطر أو زكاة مال، لأن الأب والأم ممن يجب على المسلم نفقتهم.
أما الأخ والأخت فيجوز صرف زكاة الفطر لهم إذا كانوا من المستحقين الثمانية للزكاة على رأي من قال بأن مصرفها مصرف زكاة المال، أو كانوا من الفقراء والمساكين على الرأي الثاني.
ثالثًا: الطلاب
الطالب المحتاج ممن يستحق الزكاة عامة وزكاة الفطر خاصة، وقد يكون أحوج من غيره في هذه البلاد، فيجب على المسلمين رعاية هؤلاء الطلاب خاصة المتفوقين منهم.
رابعًا: المساجد والجمعيات الخيرية
سبق بيان اختلاف الفقهاء في مصرف زكاة الفطر، فعلى القول بأنه مصرف زكاة المال وهو رأي الجمهور فلا حرج من تقديم زكاة المال للمساجد والجمعيات الخيرية لصرفها في مصارفها الشرعية ومنها: نفقات المساجد والمدارس الإسلامية بالغرب، أما إن قلنا بأن مصرفها هو الفقراء والمساكين فقط ـ وهو رأي المالكية ـ فلا يجوز تقديمها إلى المساجد والجمعيات الخيرية إلا إذا كانوا واسطة بين مخرجي الزكاة وبين المستحقين لها من الفقراء والمساكين.
——————————-
[1] قال النووي في المجموع – مصرفها مصرف سائر الزكوات. المجموع شرح المهذب – الإمام النووي – 6/215.
[2] قال ابن قدامة المقدسي: ((قال ويعطي صدقة الفطر لمن يجوز أن يعطي صدقة الأموال إنما كانت كذلك ؛ لأن صدقة الفطر زكاة ، فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات ، ولأنها صدقة ، فتدخل في عموم قوله تعالى : { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } الآية . ولا يجوز دفعها إلى من لا يجوز دفع زكاة المال إليه ، ولا يجوز دفعها إلى ذمي)) المغني – ابن قدامة المقدسي – 4/314.
وقال المرداوي في الإنصاف: مصرف الفطرة مصرف الزكاة. على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، فلا يجوز دفعها لغيرهم – الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف – المَرْداوي -7/ 137.
[3] نقل الحطاب عن الموازية قوله: وأكثر كلامهم أنها تعطى للفقراء والمساكين. مواهب الجليل لشرح مختصر الخليل – الحطاب الرعيني – 3/ 273.
[4] سنن أبي داود ـ كتاب الزكاة ـ باب كم يؤدى في صدقة الفطر؟ – ح (1609)، وابن ماجة ـ كتاب الزكاة – باب زكاة الفطر – ح (1827).
[5] قال الحطاب الرعيني في مواهب الجليل: ((ولا يعطاها أهل الذمة)) 3/273.
[6]صحيح البخاري ـ كتاب الزكاة – باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا – ح (1425)، وصحيح مسلم ـ كتاب الإيمان – باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام – ح (19).