الحديث الأول: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام

الحديث الأول

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللَّهُ كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))[1].

يُعد هذا الحديث القدسي، الذي يرويه النبي صلى الله عليه وسلم   عن ربه عز وجل، من جوامع الكلم في بيان مكانة الصيام وأسراره وآدابه. ويحوي في طياته كنوزًا من المعاني العميقة، وأهمها ما نص عليه الحديث في العلاقة بين الرب وبين العبد.

فقوله تعالى: ((كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ)) يمنح الصيام مكانة فريدة لا يشاركه فيها أي عبادة أخرى. وقد يكون السر في ذلك أن العبادات قد تدخلها شوائب الرياء أو حظوظ النفس، ويُعرف لها مقادير من الثواب في الدنيا والآخرة. أما الصيام، فهو عمل سري باطني لا يراه إلا الله تعالى، لأنه كفٌّ عن الشهوات في الخلوات والجلوات مثلًا بمثل. فهي عبادة خالصة لله بطبيعتها، ولذلك اختصها الله بنفسه، وجعل جزاءها غير محدد بقدر، بل مرتبطًا بكرمه الذي لا حدود له، وهذا الاختصاص يشعر الصائم بقرب خاص من مولاه، وأنه في ضيافته.

ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله من كلام أهل العلم عشرة أوجه في بيان معنى الحديث وسبب اختصاص الصوم بهذا الفضل، وأهم هذه الأوجه ما يلي:

  1. أن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيره، قال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء، والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه ولهذا قال في الحديث: ((يدع شهوته من أجلي)).
  2. أن المراد بقوله: ((وأنا أجزى به)) أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته.
  3. أن معنى قوله ((الصوم لي)) أي أنه أحب العبادات إلي والمقدم عندي. روى النسائي عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لا مِثْلَ لَه))
  4. أن الإضافة إضافة تشريف وتعظيم، كما يقال: بيت الله، وإن كانت البيوت كلها لله.

[1] صحيح البخاري – كتاب الصوم – باب هل يقول إني صائم إذا شتم – ح (1805)، صحيح مسلم – كتاب الصيام – باب فضل الصيام – ح (1151)،

مشاركة المقالة:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Fill out this field
Fill out this field
الرجاء إدخال عنوان بريد إلكتروني صالح.
You need to agree with the terms to proceed