صلاة الجمعة فريضة واجبة، لقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ))[1].
وللجمعة شروط للوجوب فمن تحققت فيه وجبت عليه، ومن فقد شرطًا فإنها لا تجب عليه في هذه المسألة أو غيرها.
أما مسألتنا هنا فهي لمن تحققت فيه شروط الوجوب، ووافق العيد يوم جمعة وهو ما يمكن أن يحدث في هذا العيد – عيد الفطر 1447 هـ – فهل يجب على الإمام إقامة الجمعة؟ وهل يجوز لمن أدى صلاة العيد التخلف عن صلاة الجمعة؟
والأحاديث والآثار الواردة في المسألة هي على النحو الآتي:
عن أبي هريرة عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلم أنه قال: ((قد اجْتَمَعَ في يومِكم هذا عيدان: فمن شاء أجزأه مِنَ الجُمعَةِ، وإنا مُجمِّعون))[2].
عن إياس بن أبي رَملة الشَّامي، قال: ((شَهِدْتُ معاوية بن أبي سفيانَ وهو يسأل زيدَ بن أرقم قال: أشَهِدتَ مع رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم عيدين اجتمَعا في يومٍ؟ قال: نعم، قال: فكيف صَنَع؟ قال: صلَّى العيدَ، ثم رخَّصَ في الجمعةِ، فقال: ((مَن شاء أن يُصلِّيَ فليُصَلِّ))[4].
وقال عطاء: ((اجتَمَعَ يَومُ جُمُعة وَيومُ فِطْرِ على عَهْدِ ابن الزبير فقال: عِيَدان اجتَمَعا في يومِ واحدِ، فجمعهما جميعاً، فصلاهما رَكعَتَينِ بكرةَ، لم يَزِد عليهما حتى صلَّى العصر))[5].
وفي رواية أخرى عن عطاء بن أبي رباح، قال: ((صلَّى بنا ابن الزبير في يومِ عيدٍ في يَوْمِ جُمعةٍ أوَّل النهار، ثم رُحنْا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا، فصلينا وُحدَاناً وكان ابن عباس بالطَّائِفِ، فلما قَدِمَ ذكرنا ذلك له، فقال: أصابَ السُّنةَ))[6].
وقد اختلف العلماء في إثبات بعض هذه الروايات، واختلفوا أيضًا في إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتخلف عن الجمعة لمن صلى العيد.
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الجمعة لا تسقط بالعيد، وأن المقصود بأصحاب الرخصة هم من لا يسكنون المدينة، والجمعة ليست واجبة عليهم لبعدهم عن المسجد.
ويستدلون بفعل الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه، فقد أورد البخاري في صحيحه حديثًا عن أبي عُبَيْدٍ، وفيه: ((ثُمَّ شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ قَدْ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ))[7].
وذهب الحنابلة إلى أن الجمعة في حق المأمومين تسقط عمن صلى العيد، ولكن الإمام يقيم الجمعة ليصليها من لم يصل العيد.
قال ابن قدامة في المغني: ((وإن اتفق عيد في يوم جمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد، إلا الإمام، فإنها لا تسقط عنه إلا أن لا يجتمع له من يصلي به الجمعة))[8].
والأمر فيه سعة، فمن أخذ بوجوب الجمعة وعدم سقوطها فله ذلك، ومن وافق الحنابلة في المسألة فلا بأس، ولا شك أن الأخذ بمذهب الحنابلة في المسألة أرفق وأيسر للمسلمين في غير بلاد الإسلام، فيوم الجمعة يوم عمل، وقد يشق على كثيرين أخذ إذن لأداء الصلاتين في يوم واحد، مع بعد المسافات وقلة المساجد نسبيًا.
وإّذا لم يصل المسلم صلاة الجمعة لأدائه صلاة العيد على ما أسلفنا، فإنه يجب عليه صلاة الظهر بدلًا منها.
[2] سنن أبي داود – في تفريع أبواب الجمعة – باب إذا وافق يومُ الجمعة يومَ عيد – ح (1073)، سنن ابن ماجه – بَابُ إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدَانِ فِي يَوْمٍ – ح (1311)
[4] سنن أبي داود – في تفريع أبواب الجمعة – باب إذا وافق يومُ الجمعة يومَ عيد – ح (1070)، سنن ابن ماجه – بَابُ إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدَانِ فِي يَوْمٍ – ح (1310)
[5] سنن أبي داود – في تفريع أبواب الجمعة – باب إذا وافق يومُ الجمعة يومَ عيد – ح (1072)، وعبد الرزاق في “مصنفه – ح (5725)
[6] سنن أبي داود – في تفريع أبواب الجمعة – باب إذا وافق يومُ الجمعة يومَ عيد – ح (1072).
[7] صحيح البخاري – كتاب الأضاحي – باب ما يؤكل من لحوم الأضاحي وما يتزود منها ـ ح (5251).