يولي الإسلام الأخلاق مكانة عظيمة، حيث تترابط العبادات مع الأخلاق بطريقة لا تنفصم عنها. فالعبادات تؤسّس الأخلاق، تدعمها، وتعزز تأثيرها في حياة الفرد والمجتمع
ويظهر هذا الرابط بشفافية ووضوح تامين عند التأمّل في التشريعات الإسلامية للعبادات، يقول تعالى في وصف عباد الرحمن: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا))[1] إلى آخر الآيات في وصف عباد الرحمن، وتعكس هذه الآيات قيمًا أخلاقية مثل التواضع، الحلم، الصفح والإعراض عن الجاهلين، مقابلة السيئة بالحسنة، عدم الاعتداء على الآخرين بالإيذاء البدني أو النفسي، العفة، ترك شهادة الزور، البعد عن اللغو، طلب العلا.
وجاء في شأن الصلاة: ((وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ))[2]، أما الحج فقد عبّر النبي صلى الله عليه وسلم عن أثره بقوله: ((مَن حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، ولَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَومِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ))[3]، وفي الزكاة جاء قوله عز وجل: ((خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا))[4].
وعندما تُفقد هذه الآثار في واقع الناس، فلا يُعزى ذلك إلى قصور التشريع، بل إلى شكلية العبادة عند كثير من المسلمين. ولو أنهم أدوا العبادة كما أمر الله تعالى، لتغيرت أحوالهم وأحوال أسرهم وأمتهم.
ورغم عظمة هذا الجانب في العبادات كلها، فإن تركيزنا هنا يقتصر على أثر فريضة الصيام بشكل عام، وأثرها في رمضان بشكل خاص.
يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ))[5].
والتقوى هي حالةٌ من الشعور بمراقبة الله تعالى للعبد، وهي حالة تدفع الإنسان إلى الالتزام بأوامر الله تعالى واجتناب نواهيه حبًّا وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً، ظاهرًا وباطنًا.
وأصل كلمة التقوى من وقى، وتعني الحماية أي هي أن تجعل بينك وبين الشيء وقاية، وبالتالي، فإن التقوى هي اتخاذ الوقاية بين العبد وعذاب الله.
وترتبط التقوى بالأخلاق كجذر وثمرة متكاملتين، فالتقوى تستقر في القلب، والأخلاق تظهر في السلوك. فالقلب المليء بتقوى الله ينعكس في سلوكه أخلاقًا حسنة؛ فمن راقب الله صدق، ومن خاف الله عدل، ومن عظّم الله عفَّ، ومن رجاه أحسن؛ فالأخلاق الحسنة ليست تصنّعًا عند المتقي، بل أثرًا طبيعيًا لإيمانه.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ النَّاسُ النَّارَ، فَقَالَ: ((الْأَجْوَفَانِ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ))، وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يَلِجُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((حُسْنُ الْخُلُقِ))[6]، وفي رواية أخرى: ((تقوى الله وحُسن الخُلُق))[7]، وفي رواية ثالثة: ((التَّقْوَى وَحُسْنُ الْخُلُقِ))[8].
وقد أكد النص القرآني على مهمة تزكية النفوس ضمن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال تعالى: ((هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ))[9].
وقد عبّر السلف عن مفهوم الصيام بأقوال بليغة تظهر تعلقه بالأخلاق قال جابر بن عبد الله -: ((إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، ولسانك عن الكذب والمأثم، ودع أذى الخادم وليكن عليك وقار، وسكينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء))، وقال أبو ذر: ((إذا صمت فتحفظ ما استطعت))، وعن ميمون بن مهران: ((إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب))، وقالت حفصة بنت سيرين: ((الصيام جنة؛ ما لم يخرقها صاحبها)) [10]. وقال أبو العالية: ((الصائم في عبادة ما لم يغتب أحدًا))[11].
قال الإمام الغزالي: ((اعْلَمْ أَنَّ الصَّوْمَ ثَلَاثُ دَرَجَاتٍ: صَوْمُ الْعُمُومِ وصوم الخصوص وصوم خصوص الخصوص.
وأما صَوْمُ الْعُمُومِ فَهُوَ كَفُّ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ عَنْ قضاء الشهوة كما سبق تفصيله.